فالمحصّل : أنّ المعيار المائز بينهما في الاستقلال وعدم الاستقلال. فما استقلّ مدلوله من الاخبار كان التواتر بالنسبة إلى ذلك المدلول لفظيا سواء تواتر الإخبار باللفظ الواحد كقوله : «إنّما الأعمال بالنيات» (١) على القول بتواتره ، أم بالألفاظ المترادفة ، وعلى كلّ منهما سواء حصل تواتره بدلالة المنطوق أم المفهوم أم المركّب منهما ، وعلى كلّ من هذه الفروض الستّة سواء حصل التواتر في تمام الخبر أم في بعض فقراته ، كتواتر «إنّي تارك فيكم الثقلين» (٢) وحديث الغدير (٣).
وما لم يستقل مدلوله من الإخبار كان التواتر بالنسبة إليه معنويا سواء كان مدلوله تضمّنيا أم التزاميا ، وعلى الثاني سواء كانت الدلالة على اللازم مقصودة للمتكلم أم غير مقصودة.
فتبيّن أنّ المراد من استقلال المدلول هو انفكاك وجوده عن وجود آخر ، أعني ما كان المستفاد فيه أصليا مستقلا في الوجود ولو كانت الاستفادة فيه تبعيا ، وأنّ المراد من عدم استقلاله هو عدم انفكاك وجوده عن وجود آخر ، أعني ما كان الاستفادة والمستفاد فيه كلاهما تبعيا منتزعا من آخر.
وتعميم كلّ منهما بتلك التعميمات وإن لم يحتاج إليها البصير إلّا أنّه لأجل الاقتفاء بتعميم القوانين (٤) بها ، ولعلّه لأجل دفع ما لعلّه يتوهم عدم التعميم لبعضها وإن كان توهّما بعيدا ، وإلّا فلا وجه لتكثير الأقسام المشوّشة للأفهام من غير إرادة دفع الأوهام في نظر الأعلام.
__________________
(١) لاحظ الوسائل ١ : ٣٤ ـ ٣٥ ب «٥» من أبواب مقدّمة العبادات ح ٧.
(٢) الوسائل ١٨ : ١٩ ب «٥» من أبواب صفات القاضي ح ٩ ، وراجع سنن الترمذي ٥ : ٦٦٣ ح ٣٧٨٨ ، مسند أحمد ٣ : ١٤ و ١٧ و ٢٦.
(٣) الاصابة في تمييز الصحابة ٤ : ٢٧٦ و ٢٧٧ ، البداية والنهاية ٥ : ٢١٠ ، تذكرة الخواص : ٢٨ ـ ٣٠.
(٤) قوانين الاصول ١ : ٤٢٦.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ١ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4679_altaliqa-ala-faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
