لكونه سلبا بانتفاء الموضوع لا المحمول ، ولا بضميمة الأولوية الظنّية التي هي أوهن بمراتب من الشهرة حتى يقال : كيف يتمسّك بها في حجّيتها ، أو يقال : نمنع الأولوية من رأس بدعوى أنّ المناط والعلّة في حجّية الأصل ليس مجرّد إفادة الظنّ.
بل الاستدلال إنّما هو بمنطوق الآية ومفهومه الموافقة ، بتقريب : أنّ الظاهر من سياق الآية بالنظر إلى ما يفهم من أشباهها ونظائرها في المحاورات العرفية هو اشتراط قبول قول الفاسق بالتبيّن ، أو التثبّت ـ على اختلاف القراءات ـ الأعمّ من تحصيل الظنّ بصدقه ، أو العلم على ما في كتب اللغة (١) من تفسير التبيّن عن الشيء : بطلب ظهوره ووضوحه ، والثبات في الأمر بالأخذ فيه من غير تعجيل حذرا عن فعل الجهلاء والسفهاء ، والوقوع بواسطته في معرض تنديم العقلاء ، فليس المراد التحذير عن مطلق حصول الندامة ؛ فإنّ مجرد حصول الندامة أمر لا ينفكّ عن السالك طريقا لم يوصله إلى الواقع ولو كان طريقا قطعيّا من أقوى طرق الواقع ، بل المراد إنّما هو التحذير عن الوقوع في معرض تنديم العقلاء واستحقاقه الملامة بواسطة فعل الجهلاء.
فمفاد الآية حينئذ نظير مفاد ما هو المتداول في المحاورات العرفية من قول التّجار لعمّالهم ، والحكّام لخدّامهم : إذا جاءك كتاب من قبلي فلا تعجل في الاقتحام على ما فيه من قبل أن تستظهر واقعيته ، من اختتامه بالخاتم ، أو بغيره من الأمارات المحصّلة للظنّ بصدقه ، حذرا من إيقاع نفسك في معرض تنديم العقلاء وملامتهم بواسطة فعل الجهلاء والسفهاء. فكما يفهم من هذا المثال العرفي جواز الأخذ بما في الكتاب بعد الاستظهار والاستئمان عن الوقوع في معرض تنديم العقلاء وملامتهم بما يصحّ الاعتذار به عندهم لو انكشف الخلاف كذلك
__________________
(١) راجع الفائق ١ : ١٤٢ ، لسان العرب ١٣ : ٦٨ مادة (بين).
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ١ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4679_altaliqa-ala-faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
