جعل الحجّية والطريقية فيه لزم الدور ، أو التسلسل ، فثبت أنّ طريقيّة العلم للمعلوم غير قابل ـ عقلا ـ لجعل الجاعل لا إثباتا ولا نفيا :
أمّا عدم معقوليّة الجعل فيه إثباتا فلاستلزامه تحصيل الحاصل ، وأمّا عدمه نفيا فلاستلزامه التناقض ، حسبما أشار إليه المصنّف (١).
فتبيّن مما ذكر أنّ عمل العالم بعلمه ـ بعد حصول صفة العلم له ـ غير محتاج إلى ما يحتاج إليه عمل الظانّ بظنّه ، من توسّطه شيء آخر وراء حصول صفة الظنّ له ، بل العمل بالعلم من جبلّيّات العالم المجبول عليها طبعه قهرا ، فلا يحتاج إلى توسّط جعل وراء حصول صفة العلم له ، بخلاف عمل الظانّ بظنّه ، وهذا معنى قولهم : «العلم حجّة بنفسه لا بجعل جاعل» يعنون به أنّ الفرق بين حجّية العلم وحجّية الظنّ كالفرق بين دسومة الدهن ودسومة الماء به ، وملوحة الملح وملوحة الماء به ، وحرارة النار وحرارة الماء به ، في الذاتيّة والعرضيّة والنفسيّة والغيريّة.
ثم إنّ للعلم في عدم معقولية تعلّق الجعل به أشباه ونظائر.
منها : الماهيات من حيث هي ، فإنّ حيثيّة التجرّد والعراء حتى عن قيد التعرية أمر غير مجعول فيها ، بل هو من لوازم عدم تطرّق الجعل والوجود عليها.
ومنها : لوازم الماهية كالزوجيّة للأربعة ، فإنّها أيضا غير قابلة للجعل ، لا نفيا ولا إثباتا ، ولوازم الوجود ، كالإحراق للنار ، فإنّ وصفيّة الإحراق للنار المجعول أمر منجعل ، لا مجعول بجعل على حدة وراء جعل النار نارا وخلقها.
ومنها : وجوب المقدّمة بمعنى اللابدّية ، فإنّه أيضا منجعل لا مجعول بجعل وراء الجعل المتعلّق بذيها ، سواء كانت المقدّمة من المقدّمات العقليّة أو الشرعية. ألا ترى أنّ توقّف الصلاة على الطهارة له عقليّ منجعل لا مجعول بجعل على حدة
__________________
(١) الفرائد : ٣.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ١ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4679_altaliqa-ala-faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
