فلمّا مضى رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى لقاء حبيبه وتفرّقت الأهواء بعده جمع أمير المؤمنين القرآن كما انزل وشدّه بردائه وأتى به إلى المسجد ، فقال لهم : هذا كتاب ربّكم كما انزل ، فقال الثاني : ليس لنا فيه حاجة هذا ، عندنا مصحف فلان ، فقال عليهالسلام : لن تروه ولن يراه أحد حتى يظهر القائم. ثمّ أمر أن يحضر عند فلان كلّ ما كان عند الكتّاب وغيرهم من تلك الأجزاء المتفرّقة ، فلمّا اجتمعت عند الفلان انتخب منها ما شاء ثمّ طبخ الباقي خوفا من بروزها ، وعنادا لما كان فيه من الامور والأحكام المخالفة لهواه وهوى أقرانه ، ثمّ استنسخ ممّا انتخبه سبع نسخ خالية عن النقط والإعراب ، مع ما فيها من الاختلاف في الكلمات والحروف ، فحبس منها بالمدينة مصحفا وأرسل إلى كلّ واحد من مكّة والشام والكوفة والبصرة واليمن والبحرين مصحفا مصحفا (١) ، فلما دفعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرّفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ، ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذاهبهم في اللغة والعربيّة.
فهذا هو وجه الاختلاف الواقع بين القرّاء في القراءة على ما صحّت الأخبار به من جماعة من الخاصّة ، بل ومن بعض أعاظم علماء العامّة ، كما يقف عليه المتتبع في الكتب المفصّلة في هذه المسألة (٢).
وأمّا ما استظهره غير واحد من أساتيدنا الأعلام من الإجماع على تواتر القرآن كمّا وكيفا فإنّما هو إجماع على جواز العمل والاستدلال به ، وقراءته على حسب ما يقرأه الناس ، لا على تواتره بالمعنى المتقدّم ، كما يشهد عليه جملة من الأخبار.
قوله : «ومع التكافؤ لا بدّ من الحكم بالتوقّف والرجوع إلى غيرهما».
__________________
(١) منبع الحياة المطبوع ضمن الشهاب الثاقب : ٦٧ ـ ٦٨.
(٢) لاحظ القوانين ١ : ٤٠٣ ـ ٤٠٥.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ١ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4679_altaliqa-ala-faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
