على أن السببية والمانعية في المثالين اعتباران منتزعان ، كالمسببية والمشروطية والممنوعية ، مع أن قول الشارع : «دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة» ليس جعلا للإيجاب استتباعا ـ كما ذكره ـ بل هو إخبار عن تحقق الوجوب عند الدلوك (١).
هذا كله ، مضافا إلى أنه لا معنى لكون السببية مجعولة فيما نحن فيه حتى يتكلم أنه بجعل مستقل أو لا ، فإنا لا نتعقل من جعل الدلوك سببا للوجوب ـ خصوصا عند من لا يرى (كالأشاعرة) الأحكام منوطة بالمصالح والمفاسد الموجودة في الأفعال (٢) ـ إلا إنشاء الوجوب عند
__________________
(١) لا وجه لكونه إخبارا بعد فرض كون الكلام واردا مورد الانشاء والجعل لا محض الأخبار عن السببية ، فلو فرض تمامية ما ذكره القائل المتقدم من كون ظاهر الكلام المذكور جعل السببية اعتبارا فهو مستتبع لتحقق الوجوب عند وجود السبب.
نعم مقتضاه تحقق الوجوب بنفسه تبعا من دون جعل ، وسيأتي الكلام فيه.
(٢) إذ بناء على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد قد يتوهم كون السببية عبارة عن أمر خاص في السبب يقتضي سببيته بلحاظ السنخية بينه وبين المصلحة أو المفسدة المقتضية لجعل الحكم.
وإن كان يندفع بأن السنخية المذكورة ـ مع انها غير مجعولة شرعا بل هي أمر تكويني ـ من سنخ المعدّ لكون السبب موضوعا للحكم الشرعي ، وموضوعيته تابعة للجعل الشرعي اعني جعل الحكم على موضوعه. وكيف كان فهذا التوهم لا مجال له عند الاشاعرة القائلين بتبعية الأحكام للجعل غير المشروط بالحسن والقبح الذاتيين.
هذا ولكن الظاهر أن الفرق بيننا وبين الاشاعرة لا دخل له بجعل السببية
![التنقيح [ ج ٥ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4675_altanqih-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
