وزاد آخر : أن العمل على الحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتى الحيوانات ، ألا ترى أن الحيوانات تطلب عند الحاجة المواضع التي عهدت فيها الماء والكلأ ، والطيور تعود من الأماكن البعيدة إلى أوكارها ، ولو لا البناء على (إبقاء (١) ما كان على ما كان) لم يكن وجه لذلك.
والجواب : أن بناء العقلاء إنما يسلم في موضع يحصل لهم الظن بالبقاء لأجل الغلبة ، فإنهم في امورهم عاملون بالغلبة ، سواء وافقت الحالة السابقة أو خالفتها ، ألا ترى أنهم لا يكاتبون من عهدوه في حال لا يغلب فيه السلامة ، فضلا عن المهالك ـ إلا على سبيل الاحتياط (٢) لاحتمال الحياة ـ ولا يرسلون إليه البضائع للتجارة ، ولا يجعلونه وصيا في الأموال أو قيما على الأطفال ، ولا يقلدونه في هذا الحال إذا كان من أهل الاستدلال (٣) ، وتراهم لو شكوا في نسخ الحكم الشرعي يبنون على عدمه (٤) ، ولو شكوا في رافعية المذي شرعا للطهارة فلا يبنون على عدمها.
وبالجملة : فالذي أظن أنهم غير بانين في الشك في الحكم الشرعي من غير جهة النسخ على الاستصحاب.
__________________
(١) يعني : إبقاؤه عملا. ولعل الصحيح : بقاء ما كان ، ويراد من البناء البناء العملي.
(٢) يعني : الذي هو أجنبي عن الاستصحاب.
(٣) هذا من الآثار الشرعية ، لا العرفية ، فلا وجه لنقله في مقام تحقيق بناء العقلاء.
(٤) عرفت أنه ليس ناشئا من الغلبة.
![التنقيح [ ج ٥ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4675_altanqih-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
