وذلك لاتفاقهم أيضا على مسألة جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة بالبصر ، بل ادّعى أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين أن الله يرى بالبصر في الدنيا كما رآه موسى عليهالسلام (١).
ومسألة التجسيم والرؤية البصرية لا تمت إلى الإسلام بصلة ، وتأثّر جمهور العامة بها له جذوره التاريخية ، ولعلّ تسربها آل إلى أكثر فرق المسلمين من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان والقساوسة ، فصار ذلك مصدرا لبعض الأحاديث في المقام ، مما سبّب جرأة طوائف من المسلمين للأخذ بها ، واستدعاء الأدلة عليها ، هذا مضافا إلى أن جمهور العامة لا يقرون بالحسن والقبح العقليين.
ويشهد لما قلنا ما ذكره العهدان «القديم والحديث» نؤرّخ بعضا منها : فقد ذكرت التوراة للربّ صفات كثيرة ، وهذه الصفات كلها صفات بشرية ، فهو من نوع البشر ، وجميع صفاته مأخوذة من صفات وأوصاف آلهة الوثنيين ، فها هو يصرّح بأنّ الإنسان صار كواحد من الآلهة البشريين.
«وقال الربّ الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منّا عارفا الخير والشر .. فأخرجه الربّ الإله من جنّة عدن ليعمل الأرض ... فطرد الإنسان وأقام شرقيّ جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة» (٢).
فهذه المقاطع التوراتية ـ والتي يسمونها آيات ـ صريحة في خوف الرب يهوه من أن يصبح آدم من الآلهة بأكله من شجرة الحياة ، فلذا أخرجه من الجنّة وجعل حرسا على تلك الشجرة.
والإنسان ـ بنظر التوراة ـ على صورة الإله «يهوه» :
__________________
(١) يجدر بالقارئ الرجوع إلى كتابنا «الفوائد البهية ج ١ / ١٢١ ـ ١٥٨» حيث عرضنا فيه جميع الآراء مع مناقشتها بطريقة فلسفية وكلامية على ضوء العقل والكتاب والسنّة المطهرة.
(٢) التكوين : الإصحاح ٣ / ٣٣ ـ ٣٤.
![أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد [ ج ٢ ] أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3309_abhi-almedad-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
