فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الآيات ، والتزموا لأجله بأن الآية المتأخرة ناسخة لحكم الآية المتقدمة» (١).
يرد عليه :
١ ـ إن الاختلاف الذي تنفيه الآية الكريمة ، هو ما إذا كان حقيقيا في ظرف الواقع ، أما إذا كان شكليا وفي ظاهر الأمر ـ كما بين الناسخ والمنسوخ ـ فلا تناقضه الآية إطلاقا. مثلا يشترط في الاختلاف الحقيقي (التناقض) أمور ثمانية منها : وحدة الزمان ووحدة الملاك والشرط ، وإذا تخلّف أحدها فلا تنافي ولا اختلاف ، كما في الناسخ ، ظرفه متأخر ، وملاكه مصلحة أخرى ، تبدلت عن مصلحة سابقة كانت مستدعية لذلك الحكم المنسوخ (٢).
إذن فالتنافي بين الناسخ والمنسوخ بدوي ظاهري ، أما بعد التعمق وملاحظة فترتي نزولهما والمناسبات المستدعية لنزول الأولى ثم الثانية ، فإن هذا التنافي والاختلاف يرتفع نهائيا.
فالحكم المنسوخ هو في الحقيقة حكم محدود في علم الله من أول تشريعه ، غير أن ظاهره الدوام ، ومن ثمّ كان التنافي بينه وبين الناسخ المتأخر شكليا محضا.
٢ ـ فكما لا يصدق الاختلاف بنظرة على القسم الثاني (٣) من النسخ الثابت في القرآن ، كذا لا يصدق على القسم الثالث الذي ادّعى السيد الخوئي (قدسسره) عدم وجوده في القرآن الحكيم ، مستدلا على ذلك بالآية (٤) الدالة على عدم وجود اختلاف في القرآن ، ليت شعري أليس في القرآن متشابه ومحكم ، وهما مختلفان من حيث الخصوصيات والحيثيات؟! ومن البديهي أن وجود متشابه ومحكم في القرآن لا ينفي حجيته والعمل به ، فكذا وجود الناسخ لا ينفي حجية المنسوخ
__________________
(١) البيان ص ٢٨٧.
(٢) التمهيد في علوم القرآن ج ٢ / ٢٩٦.
(٣) البيان ص ٢٨٦.
(٤) سورة النساء : ٨٢.
![أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد [ ج ٢ ] أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3309_abhi-almedad-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
