فقوله تعالى : (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (١) لا يصلح ناسخا لقوله تعالى : (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (٢) لأن جواز القعود مع المشركين قبل نزول آية النساء لم يكن مستفادا من آية الأنعام ، بل كان وفق الإباحة الأصلية ، ونزلت آية الأنعام دفعا لتوهم المسلمين الحظر عليهم ، حيث إنّ الذي يكتسبه هؤلاء الخائضون من الإثم لا يحمل إلّا على أنفسهم ولا يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم ويشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا يحاسب بعمل إلا عامله ولكن نذكّرهم ذكرى لعلهم يتقون ، فإن الإنسان إذا حضر مجلسهم وإن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون ولا يرضى بقلبه بعملهم وأمكن أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييدا لهم في قولهم لكن مشاهدة الخلاف ومعاينة المعصية تهوّن أمر المعصية عند النفس وتصغّر الخطيئة في عين المشاهد المعاين ، وإذا هان أمرها أوشك أن يقع الإنسان فيها ، فإن للنفس في كل معصية هوى ، ومن الواجب على المتقي بما عنده من التقوى والورع عن محارم الله أن يجتنب مخالفة أهل الهتك والاجتراء على الله كما يجب على المبتلين بذلك الخائضين في آيات الله لئلا تهون عليه الجرأة على الله وآياته ، فتقربه ذلك من المعصية فيشرف على الهلكة ، ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيها.
ومن هذا البيان يظهر :
أولا : إن نفي الاشتراك في الحساب مع الخائضين عن الذين يتقون فحسب مع أن غير العامل لا يشارك العامل في جزاء عمله إنما هو للإيحاء إلى أن من شاركهم في مجلسهم وقعد إليهم لا يؤمن من مشاركتهم في جزاء عملهم والمؤاخذة بما يؤاخذون به ، فالكلام في تقدير قولنا : وما على غير الخائضين في حسابهم من شيء إذا كانوا يتّقون الخوض معهم ولكن إنما ننهاهم على القعود
__________________
(١) سورة النساء : ١٤٠.
(٢) سورة الأنعام : ٦٩.
![أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد [ ج ٢ ] أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3309_abhi-almedad-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
