التي تنعكس عليها أشعة الحق سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها ، لقد نفى عزوجل عن نبيّه الرحيم الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه لا سيّما عن المؤمنين الأتقياء المبصرين فكيف بابن أم مكتوم حيث حرم من نعمة البصر ، فإن الأولى أن يقف النبيّ منه موقف اللين والشفقة والرحمة بحيث لا يساويه بأحد من المبصرين رأفة به وتطييبا لخاطره.
قال الشيخ الطبرسي عليه الرحمة :
«وفي هذه الآية دلالة على اختصاص نبيّنا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال ، ومن عجيب أمره صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه كان أجمع الناس لدواعي الترفع ثم كان أدناهم إلى التواضع وذلك أنه كان أوسط الناس نسبا وأوفرهم حسبا وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم ، وهذه كلها من دواعي الترفع ، ثم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب ويخصف النعل ويركب الحمار ويعلف الناضح ويجيب دعوة المملوك ويجلس في الأرض ويأكل عليها ، وكان يدعو إلى الله من غير زئر ولا كهر ولا زجر ، ولقد أحسن من مدحه في قوله :
|
فما حملت من ناقة فوق ظهرها |
|
أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد |
وفي الآية دلالة على ما نقوله في اللطف لأنه سبحانه نبّه على أنه لو لا رحمته لم يقع اللين والتواضع ، ولو لم يكن كذلك لما أجابوه ، فبيّن أن الأمور المنفرة منفية عنه وعن سائر الأنبياء ومن يجري مجراهم في أنه حجة على الخلق ..» (١).
والتعبير ب «ولو كنت فظا» لدلالة قطعية على عدم اتصافه بما لصقه القوم به حيث تفيد الجملة المذكورة التعليق على الشرط المستحيل تحققه في شخصية من جعله الله رحمة للعالمين ، كما أن ضمير «كنت» لإشارة واضحة إلى ما ذكرنا فتأمّل.
__________________
(١) تفسير مجمع البيان ج ٢ / ٣٢٩ ط / دار الكتب العلمية.
![أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد [ ج ٢ ] أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3309_abhi-almedad-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
