هذا مضافا إلى أنّ العبوس في وجه ضرير لا يبصر ما حوله خلاف الحكمة ، لأن الضرير هذا ما رأى عبوس العابس وتقطيبه ، فلا يخلو الأمر حينئذ من شيئين :
ـ إمّا أن يكون عبوس النبيّ بوجه ذاك الضرير لحكمة راجعة إليه ، وهي منتفية هنا لانعدام الرؤيا عند الضرير ، فلا يترتب على عبوس النبيّ له أي فائدة تذكر.
ـ وإمّا أن يكون عبوسه بوجه الضرير ما هو إلا حالة طيش وخفّة عقل لا يمكن أن تصدر من النبيّ ، هذا بالإضافة إلى أنه يجب على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يتروّى ويتصف بالحلم والأناة لكونه أسوة حسنة للأنام.
٤ ـ إنّ الله تعالى مدح نبيّه بأفضل الصفات فقال عزّ اسمه في سورة القلم : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (١) ؛ وقد نزلت هذه السورة قبل سورة عبس وتولّى ، فإذا كان كذلك ، فكيف يصدر عنه هذا الأمر المشين ، والموجب لعتاب رب العالمين ، فهل كان الله (حاشاه عزّ اسمه) جاهلا بحقيقة أخلاق نبيّه؟!! أم أنّ نبيّه لم يعمل بما أمره به سبحانه من قبل ، وقد أخذ عليه الميثاق بالعلم والعمل ، فصدور ما ينافي الخلق الكريم خلاف ميثاق ربّ العالمين ، هذا مضافا إلى أنه تعالى خاطبه وأراد غيره بقوله تعالى : (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (٢) ، والعبوس والتولّي عن المؤمن الفقير من أبرز مصاديق الفظاظة والغلظة وقد تنزّه عنها الأنبياء والأوصياء والدعاة إلى الله لأنهما من المنفّرات التي تخلّ بفائدة البعثة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، هذا مع أنه لم يعهد من نبيّ مطلقا أن صدر منه مثل ما صدر من النبي بحسب زعمهم.
والآية ١٥٩ من آل عمران وإن كانت مدنية إلّا أنها تعكس عن الحالة التي كان عليها رسول الله مذ كان يافعا إلى آخر حياته ، لقد كان وجه الحق ، والمرآة
__________________
(١) سورة القلم : ٤ «مكيّة».
(٢) سورة آل عمران : ١٥٩ «مدنيّة».
![أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد [ ج ٢ ] أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3309_abhi-almedad-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
