هو بتدبير الله تعالى في ذلك لمصالح خلقه لا يعلمها إلّا هو ، وامتحان لهم بذلك في عبادته ، مع أنّا لم نحط علما بأنّ كلّ غائب عن الخلق مستترا بأمر دينه يقصده عنهم ، يعرف جماعة من الناس مكانه ويخبرون عن مستقره. وكم وليّ لله تعالى يقطع الأرض بعبادة ربّه تعالى والتفرّد من الظالمين بعمله ، ونأى بذلك عن دار المجرمين ، وفر بدينه عن محل الفاسقين ، لا يعرف أحد من الخلق له مكانا ولا يدّعي إنسان له لقاء ولا معه اجتماعا ، نظير هذا هو الخضر عليهالسلام موجود قبل زمان موسى عليهالسلام إلى يومنا هذا ، بإجماع أهل النقل واتفاق أصحاب السير والأخبار ، سائحا في الأرض ، لا يعرف له أحد مستقرا ولا يدّعي له اصطحابا ، إلّا ما جاء في القرآن به من قصته مع موسى عليهالسلام ، وما يذكره بعض الناس على أنه يظهر أحيانا ولا يعرف ، ويظن بعض من رآه أنه بعض الزّهاد ، فإذا فارق مكانه توهّمه المسمّى بالخضر ، وإن لم يكن يعرف بعينه في تلك الحال. وقد كان من غيبة موسى عليهالسلام عن وطنه وفراره عن رهطه ما قصّ خبره القرآن ، ولم يظهر عليه أحد مدة غيبته عنهم فيعرف له مكانا ، حتى ناجاه الله عزوجل وبعثه نبيّا ، فدعا إلى توحيد الله وطاعته ، وعرفه أولياؤه وأعداؤه.
وكان من قصة يوسف بن يعقوب عليهماالسلام ما جاءت به سورة كاملة بمعناه وتضمنت ذكر استتار خبره عن أبيه ، وهو نبيّ الله تعالى يأتيه الوحي منه سبحانه صباحا ومساء ، وأمره مطوي عنه وعن إخوته ، وهم يعاملونه ويبايعونه ويبتاعون منه ويلقونه ويشاهدونه فيعرفهم ولا يعرفونه ، حتى مضت على ذلك السنون وانقضت فيه الأزمان ، وبلغ من حزن أبيه عليهالسلام لفقده ، ويأسه من لقائه ما أوجب انحناء ظهره وأنهك به جسمه ، وذهب لبكائه عليه بصره ، وليس في زماننا الآن مثل ذلك ، ولا سمعنا بنظير له في سواه.
وكان أيضا من أمر يونس نبيّ الله عليهالسلام مع قومه وفراره عنهم عند تطاول المدة في خلافهم عليه واستخفافهم بحقوقه ، وغيبته عنهم لذلك عن كلّ أحد من الناس حتى لم يعلم أحد مكانه إلّا الله تعالى وحده إذ كان المتولّي لحبسه في جوف
![أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد [ ج ٢ ] أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3309_abhi-almedad-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
