للعذاب (١) ، فلمّا أحسّوا بخوفه ﴿قالُوا﴾ يا إبراهيم ﴿لا تَخَفْ﴾ من شرّنا وضرّنا ، إنّا رسل ربّك. قيل : مسح جبرئيل العجل بجناحه فقام يمشى حتى لحق بامّه ، فعرفهم وأمن منهم (٢) .
﴿وَبَشَّرُوهُ﴾ تطييبا لقلبه ﴿بِغُلامٍ﴾ وولد ذكر ﴿عَلِيمٍ﴾ من سارة عقيمة لم تلد له ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ سارة على أهلها لمّا سمعت البشارة ، وهي ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ وصيحة تقول : يا ويلتا. وعن الصادق عليهالسلام : « في جماعة (٣) من نسائها » ﴿فَصَكَّتْ﴾ ولطمت ﴿وَجْهَها﴾ تعجّبا من قولهم ، كما هو عادة النساء إذا أنكرن وتعجّبن من شيء ﴿وَقالَتْ﴾ استبعادا لما بشّرت به بحكم العادة : كيف ألد الآن وأنا ﴿عَجُوزٌ﴾ قد بلغت من العمر تسعا وتسعين سنة ، على ما قيل (٤) : ﴿عَقِيمٌ﴾ لم ألد مدّة عمري قطّ ؟ فأجابها الملائكة و ﴿قالُوا﴾ لها ردعا لها عن الاستبعاد والتعجّب : ما قلنا ذلك من قبل أنفسنا ، بل ﴿كَذلِكَ﴾ الذي بشّرناك ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ الذي خلقك بقدرته ، وبلّغك برحمته إلى المرتبة العالية من الكمالات الجسمانية والروحانية ، ونحن أخبرناك بما قال ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ في فعاله ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوال عباده ، فلا محالة يكون حقا ، وفعله محكما ، فليس لك أن تقولي : لم يعطيني الولد في شبابي ، وبشّرني به في زمان كبري وعجزي.
روي أنّ جبرئيل قال لها : انظري إلى سقف بيتك ، فنظرت فإذا جذوعة مورقة ومثمرة ، فأيقنت(٥) .
قيل : لمّا عرف إبراهيم الرسل وأنس بهم ، استعجلوا في الخروج من عنده ﴿قالَ﴾ لهم : ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ وأي الأمر العظيم عجّل بكم بعد هذا الانس (٦)﴿أَيُّهَا﴾ الملائكة ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ لبشارتي؟ ﴿قالُوا﴾ ما ارسلنا لبشارتك فقط ، بل ﴿إِنَّا أُرْسِلْنا﴾ من جانب ربّك ﴿إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ومصرّين على الكفر والطّغيان ، وهم قوم لوط ﴿لِنُرْسِلَ﴾ ونمطر ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من السماء ﴿حِجارَةً﴾ مخلوقة ﴿مِنْ طِينٍ﴾ متحجّر مطبوخ بنار جهنّم ، على ما قيل (٧) ، فلا يتوهّم أنّها من برد ، كما قيل (٨) إنّ الحجارة قد تطلق عليه ، وتلك الحجارة تكون ﴿مُسَوَّمَةً﴾ ومعلّمة كلّ واحدة منها باسم من يقتل بها ، أو المراد مخلوقة لتعذيبهم ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وبقدرته ، لا للانتفاع بها كسائر الأحجار ، أو مرسلة في علم الله ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ ولإهلاك المجاوزين عن الحدّ في الفجور.
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٨ : ١٤٠ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٦٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٨ : ١٤٠ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٦٢.
(٣) مجمع البيان ٩ : ٢٣٨ ، تفسير الصافي ٥ : ٧١ ، تفسير القمي ٢ : ٣٣٠ ، لم ينسبه إلى أحد.
(٤) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٣.
(٥) تفسير أبي السعود ٨ : ١٤٠ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٦٣.
(٦) تفسير الرازي ٢٨ : ٢١٦.
(٧) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٤.
(٨) تفسير الرازي ٢٨ : ٢١٧ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
