لغيره ، ليتحمّل عنه وزره وعذاب الآخرة ﴿وَأَكْدى﴾ وبخل بإعطاء باقي ما شرط إعطاءه فخالف حكم العقل ؛ لأنّه أعطى ليحمل الوزر ، وهو لا يحصل له ، وخالف العرف لأنّه خالف عهده.
ذكر طعن في عثمان وردّ الفخر الرازي
حكى الفخر الرازي عن بعض المفسرين : أنّها نزلت في الوليد بن المغيرة ، قالوا : إنّه جلس عند النبي صلىاللهعليهوآله ، وسمع وعظة ، فأثّرت الحكمة فيه تأثيرا قويا ، فقال له رجل : لم تترك دين آبائك ؟ ثمّ قال له : لا تخف أعطني كذا وأنا أتحمّل أوزارك ، فأعطاه بعض ما التزمه ، وتولّى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي صلىاللهعليهوآله.
ثمّ قال الفخر : وقال بعض المفسرين : نزلت في عثمان ، كان يعطي من ماله عطاء كثيرا ، فقال له أخوه من امّه عبد الله بن سعد بن أبي سرح : يوشك أن يفنى مالك ، فأمسك. فقال عثمان : إنّ لي ذنوبا أرجو أن تغفر لي بسبب العطاء فقال له أخوه : أنا اتحمّل عنك ذنوبك على أن تعطيني ناقتك مع كذا. فأعطاه ما طلب ، وأمسك يده عن العطاء ، فنزلت.
ثمّ قال الفخر : وهذا قول باطل ؛ لأنّه لم يتواتر ذلك ، ولا اشتهر ، وظاهر حال عثمان يأبى ذلك (١) .
أقول : ظاهر حال عثمان من شدّة حماقته مؤيد لصدق الرواية ، لوضوح أنّ عثمان كان أشدّ حمقا من الوليد بن المغيرة الذي كان عند قريش مشهورا بالعقل والرّزانة والفطنة ، فكيف يقبل هذا العمل من الوليد ، ولا يقبل من عثمان مع صدور ما هو أقبح منه ، حيث إنّ السّدّي الذي كان من قدماء المفسرين وعظمائهم روى في تفسير قوله تعالى : ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ إلى آخر الآيات أنّه نزلت في عثمان بن عفان ، قال : لمّا فتح رسول الله صلىاللهعليهوآله بني النّضير ، فقسّم أموالهم ، فقال عثمان لعلي : إئت رسول الله صلىاللهعليهوآله واسأله أرض كذا وكذا ، فانّ أعطاكها فأشركني فيها ، وأنا آتيه وأساله ، فأنت شريكي فيها ، فسأله عثمان أولا فأعطاه إياها ، فقال علي عليهالسلام : « أشركني » فأبى عثمان ، فقال : بيني وبينك رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فأبى أن يخاصمه إلى النبي صلىاللهعليهوآله ، فقيل له : لم لا تنطلق معه إلى النبي صلىاللهعليهوآله ؟ فقال : هو ابن عمّه ، فاخاف أن يقضي له ، فنزلت ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الخبر (٢) .
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ
الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَأَنَّ
سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى * وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٣٥) و (٤٢)﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٩ : ١١.
(٢) والآيتان من سورة النور : ٢٤ / ٤٧ و٤٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
