قيل : لو أنّ يهوديا وعد لانسان رزقه ، وأقسم به عليه ، لاعتمد بوعده وقسمه ، فقاتله الله كيف لا يعتمد على وعد الله وقسمه برزقه ؟ ! (١)
حكي أنّ هرم بن سنان قال لاويس القرني : أين تأمرني أن أكون ؟ فأوما إلى الشام ، فقال هرم : كيف المعيشة بها ؟ قال اويس : أفّ لهذه القلوب التي قد خالطها الشك ، فما تنفعها العظة (٢) .
قصة ضيف إبراهيم وبشارتهم باسحاق
ثمّ شرع سبحانه في تهديد الكفّار بما نزل على الامم السابقة المهلكة ، بكفرهم وطغيانهم من العذاب بقوله : ﴿هَلْ أَتاكَ﴾ يا محمد وسمعت من أحد ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ﴾ جدّك ﴿إِبْراهِيمَ﴾ الذين كانوا عند الله من ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ ومعظّمين بالعصمة والاصطفاء والقرب ، حيث كانوا من الملائكة الذين وصفهم الله بأنّهم عباد مكرمون.
وقيل : يعني كانوا مكرمين عند إبراهيم عليهالسلام حيث خدمهم بنفسه بحسبان أنّهم ضيف (٣) . قيل : لم يكذّبه الله في حسبانه إكراما له (٤) .
﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ وحين وردوا ﴿عَلَيْهِ فَقالُوا﴾ بعد دخولهم تأدّبا وتحية له : نسلّم عليك ﴿سَلاماً﴾ فردّ إبراهيم تحيّتهم و﴿قالَ سَلامٌ﴾ عليكم. قيل : إنّه عليهالسلام لمّا ردّ عليهم قال في نفسه : هؤلاء ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ غير معروفين في هذا البلد ، حيث كان أهله كفّارا ، ولم تكن تحيتهم السّلام(٥).
وقيل : إنّه عليهالسلام قال لهم : أنتم قوم منكرون ، لم أر مثلكم في حسن الصورة والقامة ، فعرّفوني أنفسكم. قالوا : نحن أضيافك (٦) .
﴿فَراغَ﴾ وذهب ﴿إِلى أَهْلِهِ﴾ وزوجته سارة خفية من أضيافه ، لئلا يمنعوه من إتيان الطعام وتحمّل الكلفة ﴿فَجاءَ﴾ إليهم ﴿بِعِجْلٍ﴾ وولد بقر ﴿سَمِينٍ﴾ كثير اللحم مشويّ ؛ لأنّه كان عامة ماله البقر ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ ووضعه بين أيديهم ليأكلوا منه ، فلم يمدّوا أيديهم إليه ، ولم يأكلوا منه ﴿قالَ﴾ إبراهيم حثّا لهم على الأكل : ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ من اللحم المشوي ؟
روي أنّهم قالوا : لا نأكل منه بغير ثمن. قال إبراهيم : كلوا وأعطوا ثمنه. قالوا : وما ثمنه ؟ قال إبراهيم : إذا أكلتم فقولوا : بسم الله ، وإذا فرغتم فقولوا : الحمد لله ، فتعجّبوا من قوله ، ثمّ أنّهم مع ذلك لم يأكلوا منه ﴿فَأَوْجَسَ﴾ وأضمر في نفسه ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لتوهّمه أنهم اعدؤه جاءوا بالشرّ ، لكون العادة أنّ من يجيء بالشرّ ما كان يأكل من طعام من يريد إضراره (٧) . وقيل : وقع في نفسه أنّهم ملائكة ارسلوا
__________________
(١) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٠.
(٢) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٠.
(٣) تفسير روح البيان ٩ : ١٦١.
(٤) تفسير الرازي ٢٨ : ٢١٠.
(٥) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٢.
(٦) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٢. (٧) تفسير روح البيان ٩ : ١٦٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
