﴿إِنَّ لَكَ﴾ يا محمد ﴿فِي النَّهارِ سَبْحاً﴾ وتقلّبا (١) وتصرّفا أو فراغا ﴿طَوِيلاً﴾ لحاجتك ونومك ، فعليك بالقيام للعبادة في الليل.
ثمّ بيّن سبحانه ما ينبغي للعبد بعد تلاوة القرآن الاشتغال به بقوله : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ بالقلب بذكر نعمائه وكمال قدرته وحكمته وألطافه ، وباللسان بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير ﴿وَتَبَتَّلْ﴾ وانقطع من الدنيا وما فيها ، بل عن غيره تعالى ﴿إِلَيْهِ﴾ وحده ﴿تَبْتِيلاً﴾ وانقطاعا تاما ، لا تسأل غيره في حاجة ، ولا تتوجّه في آن إلى ما سواه.
ثمّ مدح سبحانه ذاته المقدسة بمدح يوجب العقل الانقطاع إليه بقوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ وما بينهما ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ ولا معبود سواه ، فاذا عرفت ربّك بهذه العظمة والقدرة الكاملة ﴿فَاتَّخِذْهُ﴾ واختره لنفسك ﴿وَكِيلاً﴾ ومدبّرا لجميع امورك ، ومفوّضا إليه جميع مقاصدك ، وكفيلا بما وعدك من النصر والغلبة على أعدائك.
﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي
النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً * وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً
أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٠) و (١٤)﴾
ثمّ سلّى سبحانه حبيبه صلىاللهعليهوآله بقوله : ﴿وَاصْبِرْ﴾ حبيبي بعد ما اتخذتني وكيلا ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ هؤلاء المشركون فيك ، وفوّض أمرهم إليّ ، ولا تشغل قلبك باصلاح امورك الراجعة إليهم ﴿وَاهْجُرْهُمْ﴾ واترك مخالطتهم ، واصرف قلبك عن التفكّر في أمرهم ﴿هَجْراً جَمِيلاً﴾ مقرونا بالمداراة والكفّ عن المافات ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ الذين هم ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ والتّرفّه والرئاسة والتكبّر ، وحل بيني وبينهم ، فانّي اكافي ما أهمّك من مجازاتهم ﴿وَ﴾ لكن ﴿مَهِّلْهُمْ﴾ وأخّر سؤال تعذيبهم زمانا ﴿قَلِيلاً﴾ وهو الزمان الباقي إلى يوم بدر ، أو الباقي من عمرهم في الدنيا.
عن أمير المؤمنين عليهالسلام في حديث يذكر فيه المنافقين - قال : « وما زال رسول الله صلىاللهعليهوآله يتألّفهم ويقرّبهم ويجلسهم عن يمينه وشماله حتى أذن الله عزوجل في إبعادهم بقوله : ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ » (٢).
أقول : لا ينافي ذلك العموم لجميع المكذّبين.
ثمّ بيّن سبحانه ما أعدّ لهم من العذاب في الآخرة بقوله : ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً﴾ وقيودا ثقالا لأرجلهم
__________________
(١) في النسخة : وتفليا.
(٢) الاحتجاج : ٢٥٣ ، تفسير الصافي ٥ : ٢٤٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
