وسيئات أعماله ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ هدايته بمقتضى طيب طينته وحسن نيته وأخلاقه ، وإنّما يكون اختيار هذا العدد القليل لخزّان جهنّم لحكمة مقتضيه لذلك ، لا لقلّة الملائكة الذين هم جنود الله ، فانّهم من كثرتهم بحيث لا يحصون (١)﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ من الملائكة وسائر الموجودات ﴿إِلَّا هُوَ﴾ تعالى ، فهو قادر على أن يكثّر عدد الخزنة ، بل لكلّ واحد منهم أعوان من الملائكة لا يعلم عددهم إلّا الله ، وليست عدّة الخزنة ، أو سقر ، أو تلك الآيات ﴿وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى﴾ وعظة ﴿لِلْبَشَرِ﴾ كافة ولبني آدم عامة.
﴿كَلَّا﴾ لا يتذكّرون بتلك الذكريات (٢) والمواعظ إلّا العقلاء وأهل الإيمان ، أو المراد ليس لأحد مجال إنكار سقر ﴿وَالْقَمَرِ﴾ المضيء الذي تعرف به الأوقات والآجال ، وتظهر به عجائب الصّنع وكمال قدرته في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد. وقيل : يعني اقسم بخالق القمر (٣) .
﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ وحين ذهب وانقضى ، كما عن ابن عباس (٤) . ﴿وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ وأضاء ، وهو من الأوقات الشريفة التي يظهر فيها قدرة الله ورحمته ﴿إِنَّها﴾ قيل : إن الضمير راجع إلى سقر (٥) ، والمعنى اقسم بهذه الأيمان المذكورة أنّ سقر ﴿لَإِحْدَى﴾ الطبقات ، أو الدواهي ﴿الْكُبَرِ﴾ والعظام ، والطبقات الاخر لظى والحطمة والسعير والجحيم والهاوية وجهنّم.
وقيل : إنّه راجع إلى الزبانية التسعة عشر ، والمعنى أنّ التسعة عشر من إحدى الحجج العظام على قدرة الله على تعذيب جميع العصاة من بدو الخلقة إلى آخر الدهر بعدة قليلة من الملائكة (٦) ، وجعلنا ذلك ﴿نَذِيراً﴾ ومخوفا أو انذارا وتخويفا ﴿لِلْبَشَرِ﴾ أعني ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ﴾ أيّها الناس ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ ويسبق إلى الخيرات بهداية الله تعالى ﴿أَوْ﴾ لم يشأ و﴿يَتَأَخَّرَ﴾ ويكفّ نفسه عنه باضلال الله.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ *
عَنِ الْمُجْرِمِينَ * ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ
نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٣٨) و (٤٧)﴾
__________________
(١) في النسخة : لا يحصى.
(٢) في النسخة : الذكرات.
(٣) تفسير روح البيان ١٠ : ٢٣٨.
(٤) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٠٨.
(٥) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٠٩ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٢٣٨.
(٦) تفسير روح البيان ١٠ : ٢٣٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
