قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ
مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ * قالَ قَرِينُهُ
رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ
إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٠) و (٢٩)﴾
ثمّ ذكر سبحانه أهوال البعث بعد الموت بقوله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية ، وهي نفخة البعث والنشور ، فيقول لهم الملك تهويلا : ﴿ذلِكَ﴾ الوقت الذى بعثتم فيه ﴿يَوْمُ﴾ إنجاز ﴿الْوَعِيدِ﴾ الذي أوعدكم الله على لسان رسله به من العذاب والأهوال ﴿وَجاءَتْ﴾ من القبور إلى المحشر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النفوس البرّة والفاجرة و﴿مَعَها﴾ ملك ﴿سائِقٌ﴾ له يسوقه إلى المحشر ، وإن اختلفت كيفية سوق المؤمن والكافر ، والمطيع والعاصي ﴿وَ﴾ ملك ﴿شَهِيدٌ﴾ على أعمالها أنّها خير تستحقّ بها الجنّة ، أو شرّ تستحق بها النار.
وفي ( نهج البلاغة ) : « سائق يسوقها إلى المحشر ، وشاهد يشهد عليها بعملها » (١) .
قيل : إنهما الملكان الكاتبان (٢) . وقيل : ملك واحد يسوقها ويشهد على عملها (٣) . وقيل : السائق ملك ، والشهيد جوارحه (٤) .
ثمّ يقال لذلك المسوق : ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ في الدنيا غائرا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عظيمة ﴿مِنْ هذا﴾ اليوم وما فيه من الأهوال ﴿فَكَشَفْنا﴾ وأزلنا ﴿عَنْكَ﴾ غفلتك التي كانت ﴿غِطاءَكَ﴾ وحجابك الذي يمنعك عن اليقين بمجيء هذا اليوم ، ويحتمل كون المراد من الغطاء الجهل والشهوة وحبّ الدنيا ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ﴾ لانكشاف الغطاء عنه ﴿حَدِيدٌ﴾ ونافذ ، تبصر ما كنت منكره وتستبعده وتتعجّب ممّن يخبر به ، ولكن لا ينفعك اليوم إبصار ﴿وَقالَ﴾ الملك الذي هو ﴿قَرِينُهُ﴾ في الدنيا يكتب أعماله ، أو الملك الشهيد عليه ، كما عنهما عليهماالسلام (٥) : ﴿هذا﴾ الكتاب الذي فيه أعمالك ﴿ما لَدَيَ﴾ وهو الذي عندي ﴿عَتِيدٌ﴾ وحاضر ، أو مهيّأ جميعا للعرض.
وقيل : إنّ المراد بالقرين الشيطان المقيّض له (٦) . يقول هذا الشخص العاصي الطاغي : ما لدي والذي عندي وفي ملكتي ومقدوري عتيد ومهيأ لورود جهنّم ، قد هيأته له بإغوائي وإضلالي ، فيقول الله تعالى للسائق والشهيد ، أو الملكين من خزنة النار : ﴿أَلْقِيا﴾ أيّها الملكان ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ هذا الكافر
__________________
(١) نهج البلاغة : ١١٦ ، الخطبة ٨٥ ، تفسير الصافي ٥ : ٦١.
(٢) تفسير روح البيان ٩ : ١٢١.
(٣و٤) تفسير البيضاوي ٢ : ٤٢٢.
(٥) مجمع البيان ٩ : ٢٢٠ ، تفسير الصافي ٥ : ٦٢.
(٦) تفسير أبي السعود ٩ : ١٣١ ، وفي النسخة : المقبض له.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
