ثمّ إنّه تعالى بعد بيان أهوال القيامة وأحوال السعداء والأشقياء ، وكان المشركون والأشقياء ينكرون جميعها ويكذّبون القرآن ، بيّن سبحانه عظمة القرآن وأنّه كلام الله المجيد بقوله تعالى : ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وقيل : إنّ التقدير فلا مجال لتكذيب المكذّبين (١) للقرآن وما أخبر به من البعث والنشور ، اقسم ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ وما تشاهدون من الجسمانيات ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ ولا تشاهدون من العقول والروحانيات ﴿إِنَّهُ﴾ من أوّله إلى آخره ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ صادق مبعوث من جانب الله ﴿كَرِيمٍ﴾ عليه عظيم الشأن عنده ، وهو محمد صلىاللهعليهوآله أو جبرئيل ، جاء به من قبل الله ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كما تزعمون ، وأنتم إيمانا ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن أنّه كلام الله ، وبمن جاء به أنّه رسول الله ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كما تدّعون ذلك مرة اخرى تذكّرا ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ ولذا يلتبس عليكم الأمر.
قيل : إنّ الايمان والتذكّر القليل بالشيء الظنّ به والميل إليه (٢) وقيل : إنّ القليل في الآيتين كناية عن العدم (٣) . وقيل : إنّ الايمان القليل اليقين بالقلب والجحود باللسان (٤) . أو الايمان ببعض أحكام القرآن دون (٥) بعض.
وإنّما قرن سبحانه عدم الايمان بالشاعرية ؛ لأنّ عدم مشابهة القرآن بالشعر أمر بيّن لا ينكره إلّا المعاند فلذا وبّخوا على عدم الايمان بخلاف مبانيه (٦) للكهانة ، فإنّها ليست بذاك الوضوح ، فانّ من تذكّر أحوال النبي صلىاللهعليهوآله ومعاني القرآن وتأمّل فيهما (٧) علم أنّ القرآن ليس بكهانة ، فانّ الكاهن يأتيه الشيطان ويلقي إليه أخبار السماء ، وما يقوله النبي صلىاللهعليهوآله مشتمل على ذمّ الشياطين وسبّهم ، فكيف يمكن أن يكون ذلك بإلقاء الشياطين ؟ وكذا معاني القرآن [ فانها تشتمل على ] الدعوة إلى العقائد الحقّة وتهذيب الاخلاق والأعمال الصالحة بخلاف أقوال الكهنة ، فلو تذكّر كفّار مكّة معاني القرآن ومعاني أقوال الكهنة لما قالوا : إنّه كاهن ، وإن القرآن كهانة ، بل هو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ نزّله بتوسّط جبرئيل على رسوله ، فهو قول الله وكلامه لأنّه نزّله ، وقول جبرئيل لّانه نزل به ، وقول رسول الله صلىاللهعليهوآله لأنّه أنذر به.
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ
الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا
لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ *
__________________
(١) تفسير طبرى ٢٩ : ٤١.
(٢-٤) تفسير روح البيان ١٠ : ١٤٩.
(٥) تفسير روح البيان ١٠ : ١٤٩ و١٥٠.
(٦) في تفسير روح البيان : مباينته.
(٧) في النسخة : منهما.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
