ما رَأى (٥) و (١١)﴾
ثمّ لمّا كان بعض المشركين يقولون : إنّما علّم محمدا ما ينطق وما يقول من العلوم بعض أهل الكتاب في أسفاره إلى الشام ، ردّهم الله سبحانه بقوله : ﴿عَلَّمَهُ﴾ جبرئيل الذي هو ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾ في العلوم والأعمال ، لا البشر الذي هو ضعيف القوة وقليل العلم ، وذلك الملك ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ وكمال في الجسم والعقل والدين وحسن الأخلاق واستحكام الأركان ﴿فَاسْتَوى﴾ ذلك الملك واستقام متوجّها إلى تعليم محمد صلىاللهعليهوآله ، واستقر على صورته الأصلية التي خلق عليها ، أو استقرّ محمد صلىاللهعليهوآله على التعلّم منه ، كما عن القمي (١) .
وقيل : إنّ فاعل ( علّمه ) الله ، والمعنى علّمه الله الذي هو شديد القوى في العلوم ، وما بعده أوصاف الرسول صلىاللهعليهوآله والمعنى : أنّ الرسول ذو مرّة ، فاستوى : وأستقام للتعلّم من الله (٢) .
عن الرضا عليهالسلام : « ما بعث الله نبيا إلّا صاحب مرّة سوداء صافية » (٣) .
﴿وَهُوَ﴾ متمكّن ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ أو المقام الأرفع من الكمالات الانسانية ، والمرتبة الأسنى من الفضائل الجسمانية والروحانية بحيث لا يدانيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ﴿ثُمَّ دَنا﴾ رسول الله وقرب من الله بالعلم والكمال الصفاتي ﴿فَتَدَلَّى﴾ الله وقرب منه.
عن الكاظم عليهالسلام ، قال : « هذه لغة قريش ، إذا أراد الرجل أن يقول : سمعت ، يقول : تدلّيت ، وإنّما التدلّي : الفهم » (٤) .
أقول : وعليه يكون المعنى : ثمّ دنا رسول الله صلىاللهعليهوآله فسمع وفهم من الله.
﴿فَكانَ﴾ مقدار المسافة بين الله وبين رسوله ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ وقدر ما بين سية (٥) القوس إلى رأسها ، كما عن الصادق عليهالسلام (٦) . وقيل : مقدار ما بين الوتر والقوس (٧) . وهو حدّ الفصل في مجالسة الأحبّاء المتأدّبين (٨) .
قيل : مثل لغاية القرب ، وأصله أنّ الحليفين كانا إذا أراد عقد الصفاء أخرجا قوسيهما ، فألصقا بينهما ، وهو إشارة إلى كونهما متظاهرين يحامي كلّ منهما عن صاحبه (٩) .
وقيل : إن الكبيرين من العرب إذا اصطلحا وتعاهدا ، أخرجا قوسيهما ، ووتر كلّ واحد منهما طرف
__________________
(١) تفسير القمي ٢ : ٣٣٤ ، تفسير الصافي ٥ : ٨٥.
(٢) تفسير القمي ٢ : ٢٣٤.
(٣) تفسير القمي ٢ : ٣٣٤ ، تفسير الصافي ٥ : ٨٥.
(٤) الاحتجاج : ٣٨٧ ، تفسير الصافي ٥ : ٨٧.
(٥) سية القوس : ما عطف من طرفيها.
(٦) الكافي ١ : ٣٦٨ / ١٣ ، تفسير الصافي ٥ : ٨٧.
(٧) تفسير روح البيان ٩ : ٢١٧.
(٨) تفسير روح البيان ٩ : ٢١٨.
(٩) تفسير روح البيان ٩ : ٢١٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
