أنواع المأكولات للمتنعّمين ، ولا يقتصر على نوع خاص ، بل يعطون ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ويرغبون إليه من أنواع الفواكه واللحوم. روي أنّ المؤمن إذا اشتهى الطير يخرّ بين يديه مشويا (١) ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ ويتعاطون ﴿فِيها﴾ بنحو التجاذب والتلاعب ﴿كَأْساً﴾ مملوءة من خمر الجنة ، لكن ﴿لا لَغْوٌ﴾ وكلام باطل وواه ﴿فِيها﴾ كما يكون في شرب خمر الدنيا ﴿وَلا﴾ يكون فيها ﴿تَأْثِيمٌ﴾ وفعل قبيح من السبّ والفحش ، كما هو لازم السّكر في الدنيا ، بل لا يتكلّمون إلّا بأحاسن الكلام ، ولا يفعلون إلّا ما يفعله الكرام ، لعدم حصول نقص في عقولهم ، فضلا من زوالها. وقيل : لا يكون في شربها إثم وعصيان (٢) .
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ ويدور حولهم لخدمتهم ، أو بكؤوسهم ﴿غِلْمانٌ﴾ وخدم حسان الوجوه ، مخلوقون ﴿لَهُمْ﴾ في الجنّة ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في البياض والصفاء ﴿لُؤْلُؤٌ﴾ رطب ﴿مَكْنُونٌ﴾ ومصون في الصّدف عن الغبار ومسّ الأيدي ، أو مخزون فانّه لا يخزن إلّا الثمين الغالي القيمة.
روي أنّه قيل لرسول الله صلىاللهعليهوآله : هذا لخادم ، فكيف المخدوم ! فقال : « والذي نفسي بيده إنّ فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » (٣) .
وروى أنّه صلىاللهعليهوآله قال : « إن أدنى أهل الجنّة منزلة من ينادي الخادم من خدّامه ، فيجيبه ألف ببابه : لبيك لبيك » (٤) .
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ آخر ، وتوجّه إليه ، وهم يتحادثون و﴿يَتَساءَلُونَ﴾ تلذّذا وتفكّها واستئناسا ، ويتذاكرون أحوالهم وأعمالهم في الدنيا ، وبأنّه نالوا الكرامة في الآخرة ﴿قالُوا﴾ جوابا للسائلين عن أحوالهم : يا إخواننا ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ في زمان حياتنا ﴿قَبْلُ﴾ وفي دار الدنيا ﴿فِي أَهْلِنا﴾ وأقاربنا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ وخائفين من مخالفة أحكام الله وسوء عاقبتنا وأهوال الآخرة ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بالتوفيق لطاعته ﴿وَوَقانا﴾ بذلك وحفظنا به من ﴿عَذابَ السَّمُومِ﴾ والاحتراق بالنار الحارة النافذة في منافذ الجسد ، كالريح الحارة النافذة فيها ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ وفي دار الدنيا نعبد الله و﴿نَدْعُوهُ﴾ أن يقينا من العذاب ، فوقانا واستجاب داعاءنا ، وأدخلنا في جنته ورحمته ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿هُوَ الْبَرُّ﴾ والمحسن بعباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن آمن به وأطاعه ، الكثير الرحمة على من أقبل إليه.
﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ
__________________
(١) تفسير روح البيان ٩ : ١٩٥.
(٢) مجمع البيان ٩ : ٢٥١.
(٣) مجمع البيان ٩ : ٢٥١ ، تفسير الصافي ٥ : ٨٠.
(٤) تفسير أبي السعوذ ٨ : ١٤٩ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٩٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
