﴿سُيِّرَتْ﴾ ورفعت في الأرض ، وحرّكت بسرعة كالسّحاب في وجهها ، أو في الجوّ بالزّلزلة الحاصلة بالنفخة الثانية ﴿وَإِذَا الْعِشارُ﴾ والنّوق الحوامل التي مضت من مدّة حملها عشرة أشهر ، وهي أحبّ الأموال عند العرب ﴿عُطِّلَتْ﴾ وتركت مسيّبة مهملة لا داعي لها ، لاشتغال أهلها بأنفسهم ، وهي كناية عن غفلة الناس عن أموال الدنيا لرفع حاجتهم عنها ، وغلبة الوحشة والدهشة عليهم ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ﴾ والحيوانات البرية الفارّة عن غير جنسها ﴿حُشِرَتْ﴾ وجمعت في موقف القيامة واختلط بعضها ببعض وبالانسان بلا تعرّض للغير من شدّة أهوال اليوم.
وقيل : يعني بعثت للقصاص إظهارا للعدل (١) ، قيل : يحشر كلّ حيوان حتّى الذّباب للقصاص ، فإذا قضي بينها ردّت ترابا ، فلا يبقى منها إلّا ما فيه سرور بني آدم وإعجاب المؤمن بصورته أو بصوته كالطّاوس والبلبل (٢) . وعن ابن عباس : حشرها موتها (٣) .
﴿وَإِذَا الْبِحارُ﴾ كلّها ﴿سُجِّرَتْ﴾ وانقلب ماؤها نارا ، كما عن ابن عباس (٤) . وعن ابن عمر أنّه لمّا رأى بحرا قال : يا بحر متى تعود نارا (٥) . وقيل : يعني ملئت بتفجّر بعضها إلى بعض ، فيصير الكلّ بحرا واحدا ، أو حميت (٦) ، أو نشفت فلا يبقى فيها رطوبة (٧) .
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ﴾ والأرواح ﴿زُوِّجَتْ﴾ بالأجساد ، أو قرنت بمن كان مثلها في الخير والشّر ، فيضمّ الصالح بالصالح ، والفاجر بالفاجر ، أو جعلت أزواجا ثلاثة : أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، والمقرّبين ، أو قرنت بالملائكة الذين كانوا كتّابه أعمالهم ، أو قرنتت بأعمالهم ، أو قرنت بشياطينهم.
وعن ابن عباس : زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرنت نفوس الكفّار بالشياطين (٨) . أو قرنت كلّ نفس بأهل دينها (٩) ، اليهود باليهود ، والنصارى بالنصارى ، والمجوس بالمجوس (١٠) .
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ﴾ والبنت المدفونة حيّة ﴿سُئِلَتْ﴾ من جانب الله أنّها ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ تبكيتا لقاتلها ، وتسلية لها ، وإظهارا لشدّة الغضب على وائدها.
قيل : كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ، ألبسها جبّة من صوف أو شعر ، ترعى له الإبل أو الغنم في البادية ، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا بلغ سنّها ستّ سنين ، فيقول لامّها ، طيبيها وزيّنيها حتّى أذهب بها إلى أحبّائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء ، فيبلغ بها البئر ، ويقول لها : انظري فيها ، ثمّ يدفعها فيها من خلفها ، ويهيل عليها التّراب حتّى يستوي البئر بالأرض ، خوفا من الفقر أو من الأسر ،
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ١٠ : ٣٤٥.
(٣) تفسير الرازي ٣١ : ٦٨.
(٤و٥) تفسير روح البيان ١٠ : ٣٤٥.
(٦) تفسير أبي السعود ٩ : ١١٥ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٣٤٥.
(٧) تفسير الرازي ٣١ : ٦٨.
(٨) تفسير الرازي ٣١ : ٦٩.
(٩) في النسخة : دينه.
(١٠) تفسير الرازي ٣١ : ٦٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
