ثمّ لمّا كان تكذيب المشركين للنبي صلىاللهعليهوآله في إخباره بالمعاد ودار الجزاء مؤلما لقلبه الشريف ، سلّاه سبحانه بحكاية معارضة فرعون موسى بن عمران في دعوته إلى التوحيد ، وإنه مع إنكاره ادّعى الربوبية ، فابتلاه الله بالعذاب مع كونه أقوى من قومه بقوله : ﴿هَلْ أَتاكَ﴾ يا محمد ، وقيل : إنّ ﴿هَلْ﴾ هنا بمعنى ( قد ) (١) والمعنى قد جاءك ﴿حَدِيثُ﴾ دعوة ﴿مُوسى﴾ فرعون. وقيل : إنّ المعنى : هل بلغك خبره ، أم أنا اخبرك به ؟ (٢) وهذا التعبير للترغيب في الاستماع ليتسلّى به.
ثمّ ذكر الحديث بقوله : ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ﴾ قيل : إنّ التقدير اذكر حين ناداه ربّه (٣)﴿بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ والأرض المطهّرة عن الشرك ، واسم ذلك الوادي ﴿طُوىً﴾ وهو على ما قيل : واقع بين المدينة ومصر (٤) . وقيل : إنّه واد بالشام عند الطّور (٥) . وعن ابن عباس : أنّ طوى بمعنى الرجل بالعبرانية (٦) ، والمعنى : يا رجل ﴿اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾ وقيل : إنّه بمعنى ساعة من الليل (٧) اذهب برسالتي إلى فرعون ملك مصر ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ وتجاوز عن الحدّ في الكفر والعصيان والتكبّر على الخلق حتّى استبعدهم على ما قيل (٨) . فاذا جئته ﴿فَقُلْ﴾ له بلسان ليّن يا فرعون ﴿هَلْ لَكَ﴾ ميل ورغبة ﴿إِلى أَنْ تَزَكَّى﴾ وتتطهّر من دنس الكفر والكبر والأخلاق السيئة الرديّة. ﴿وَأَهْدِيَكَ﴾ وأدلّك إلى الطريق المقرّب ﴿إِلى رَبِّكَ﴾ ومعرفته وطاعته ﴿فَتَخْشى﴾ من عصيانه وعذابه بعد معرفته والعلم بوجوب طاعته ؟
فجاء موسى بأمر ربّه وحسب رسالته إلى فرعون ، وجرى بينه وبينه ما جرى إلى أن قال فرعون : فان كنت جئت بآية فات بها ﴿فَأَراهُ﴾ موسى ﴿الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ والمعجزة العظمي بإلقائه عصاه وصيرورتها ثعبانا عظيما ، أو باليد البيضاء ، أو بهما ﴿فَكَذَّبَ﴾ فرعون بموسى ونسب معجزاته إلى السّحر ﴿وَعَصى﴾ ربّه وتمرّد عن طاعته مع علمه بصدق رسوله. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ وأعرض عن الايمان بموسى وهو ﴿يَسْعى﴾ ويجتهد في إبطال أمر رسالته وإطفاء نوره عنادا ولجاجا.
قيل : لمّا رأى فرعون الثعبان أدبر وأسرع في مشيته (٩) خشية منه ﴿فَحَشَرَ﴾ وجمع السحرة لمعارضة موسى وسائر الناس ليروا غلبة السّحرة عليه ﴿فَنادى﴾ في مجمعهم بنفسه ، أو بتوسّط مناد منه قبله ﴿فَقالَ :﴾ أيّها الناس ﴿أَنَا رَبُّكُمُ﴾ وإلهكم ﴿الْأَعْلى﴾ من كلّ من يلي اموركم من الملوك والامراء ، أو من الأصنام التي تعبدونها ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ﴾ بسبب طغيانه ودعواه الربوبية والالوهية ونكّل
__________________
(١) تفسير الرازي ٣١ : ٣٨ ، تفسير أبي السعود ٩ : ٩٩.
(٢) تفسير الرازي ٣١ : ٣٨ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٣١٩.
(٣) تفسير الطبري ٣٠ : ٢٥.
(٤) تفسير روح البيان ١٠ : ٣١٩.
(٥و٦) تفسير الرازي ٣١ : ٣٨.
(٧) تفسير الرازي ٣١ : ٣٨.
(٨) تفسير الرازي ٣١ : ٣٩ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٣٢٠.
(٩) الكشاف ٤ : ٦٩٦ ، تفسير الرازي ٣١ : ٤٢ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٣٢١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
