﴿تَظُنُ﴾ وتعتقد ، أو تتوقّع تلك الوجوه ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِها﴾ في ذلك اليوم عقوبة ﴿فاقِرَةٌ﴾ وداهية تكسر فقار الظهر. قيل : اريد بها أنواع العذاب في النار (١) .
ثمّ ردع سبحانه الناس عن إيثار الدنيا على الآخرة بقوله : ﴿كَلَّا﴾ وارتدعوا عمّا أنتم عليه من حبّ الدنيا.
قيل : إنّ المراد لمّا عرفتم سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء في الآخرة ، فارتدعوا عن إيثار الدنيا على الآخرة ، وتنبّهوا على [ ما ] بين أيديكم من الموت الذي تنقطّع عنده الدنيا العاجلة عنكم (٢) .
واذكروا ﴿إِذا بَلَغَتِ﴾ الروح ﴿التَّراقِيَ﴾ والحناجر والعظام المحيطة بالنحر. وقرب خروجها من جسدكم ﴿وَقِيلَ﴾ تمنيا أو انكارا ، لاحتمال شفائه بالرّقية والتعويذ ﴿مَنْ راقٍ﴾ ومن يقدر على إحيائه بالأوراد والتعويذ (٣) . وقيل : يعني من الرافع بروحه إى السماء (٤) .
عن ابن عباس : أنّ الملائكة يكرهون القرب من الكافر ، فيقول ملك الموت : من يرقى بهذا الكافر (٥) .
وقيل : يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة ، وسبعة من ملائكة العذاب مع ملك الموت ، فاذا بلغت نفس العبد التراقي ، نظر بعضهم إلى بعض أيّهم يرقي بروحه إلى السماء (٦) .
﴿وَظَنَ﴾ المحتضر حين بلوغ روحه التّرقوة وأحاط به ملائكة الموت ﴿أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ من الدنيا المحبوبة ونعيمها التي ضيّع العمر في كسبها ، وأهلك نفسه بالالتذاذ والاشتغال بها ، أو فراق الروح من البدن ، أو الفراق من الأهل والأولاد والأموال.
قيل : عبّر سبحانه عن اليقين بالموت هنا بالظنّ ، لأنّ الانسان مادام فيه حشاشة يطمع في الحياة لشدّة حرصه عليها (٧) . في الحديث : « أنّ العبد ليعالج كرب الموت وسكراته ، وإنّ مفاصله ليسلّم بعضها على بعض ، تقول : السّلام عليك ، افارقك وتفارقني إلى يوم القيامة » (٨) .
﴿وَالْتَفَّتِ﴾ والتوت ﴿السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ عند قلق الموت ، أو في الكفن ، أو ليبسهما (٩) بالموت.
وقيل : إنّ الساق كناية عن الشدّة ، والمراد التفّت شدّة فراق الدنيا بشدّة لقاء الآخرة ، أو شدّة مفارقة الأهل وشدّة ترك المال والجاه ، وشدّة شماتة الأعداء وغمّ الأولياء ، أو شدّة الذهاب إلى الآخرة وشدّة القدوم على الله ، أو شدّة فراق الأحباب وشدّة الورود في دار الغربة (١٠) . وعند ذلك ﴿إِلى رَبِّكَ﴾
__________________
(١و٢) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٣٠.
(٣) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٣١ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٢٥٤.
(٤) تفسير الطبري ٢٩ : ١٢١ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٢٥٥.
(٥و٦) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٣١ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٢٥٥.
(٧) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٣١ ، تفسير روح البيان ١٠ : ٢٥٥.
(٨) تفسير روح البيان ١٠ : ٢٥٥.
(٩) في النسخة : أو ليلبسهما ، راجع تفسير الرازي ٣٠ : ٢٣٢.
(١٠) تفسير الرازي ٣٠ : ٢٣٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
