ثمّ أخبر الله بسوء عاقبتهم بقوله : ﴿مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ العظيمة ، ومن أجل فواحشهم الكثيرة في المدّة المتطاوله ﴿أُغْرِقُوا﴾ كلّهم بالطّوفان ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ بمحض خروج الروح من أبدانهم ﴿ناراً﴾ سجّرها القهّار بغضبه في البرزخ قبل القيامة ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ﴾ حين ابتلائهم بالعذاب الدنيوي والاخروي ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وممّا سواه من الأصنام والأوثان ﴿أَنْصاراً﴾ وأعوانا يدفعون العذاب عنهم بالقوة أو الشفاعة.
ثمّ عاد سبحانه إلى حكاية قول نوح بقوله : ﴿وَقالَ نُوحٌ﴾ بعد يأسه من إيمان قومه واهتدائهم وتواصيهم بعدم ترك عبادة أصنامهم : ﴿رَبِّ لا تَذَرْ﴾ ولا تدع ﴿عَلَى﴾ وجه ﴿الْأَرْضِ﴾ بسبب إنزال العذاب ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾ بك وبرسولك ﴿دَيَّاراً﴾ ومتحرّكا.
ثمّ بيّن نوح أنّ دعاءه عليهم ليس للتشفّي وهوى النفس ، بل للغضب لله بقوله : ﴿إِنَّكَ﴾ يا رب ﴿إِنْ تَذَرْهُمْ﴾ وتبقيهم على وجه الأرض كلا أو بعضا ﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ المؤمنين عن طريق التوحيد والقرب إليك ، أو المراد يصدّوا عبادك عن الايمان بك ، كما روي أن الرجل ينطلق بابنه إلى نوح ويقول له : احذر هذا الرجل ، فانّه كذّاب ، وإنّ أبي حذّرنيه وأوصاني بمثل ذلك (١) .
﴿وَلا يَلِدُوا﴾ من بعد ﴿إِلَّا فاجِراً﴾ ومعاديا لدينك ﴿كَفَّاراً﴾ ومصرا على الشرك وكفران نعمك.
عن الباقر عليهالسلام أنّه سئل ما كان علم نوح حين دعا على قومه أنّهم لا يلدوا إلّا فاجرا كفّارا ؟
فقال : « أما سمعت قول الله لنوح : ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ » (٢) .
ثمّ دعا لنفسه ولأقاربه وللمؤمنين بقوله : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ خطاياي وزلّاتي ﴿وَلِوالِدَيَ﴾ ملك بن متوشلخ وشمخا بنت أنوش كانا مؤمنين ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ قيل : يعني مسجدي (٣) . وقيل : يعني سفينتي (٤) حال كونه ﴿مُؤْمِناً﴾ بك وموحّدا لك ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ عموما إلى آخر الدهر.
ثمّ عاد إلى الدعاء على الكفّار بقوله : ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ على أنفسهم باختيار الشرك ﴿إِلَّا تَباراً﴾ وهلاكا ودمارا.
عن الصادق عليهالسلام : من كان يؤمن بالله ويقرأ كتابه ، لا يدع قراءة سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ فأيّ عبد قرأها محتسبا صابرا في فريضة أو نافلة أسكنه الله مساكن الأبرار ، وأعطاه ثلاث جنات مع جنّته كرامة من الله وزوّجه مأتي حوراء وأربعة آلاف ثيّب إن شاء الله » (٥) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ١٠ : ١٨٤.
(٢) تفسير القمي ٢ : ٢٣٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٨٨ ، والآية من سورة هود : ١١ / ٣٦.
(٣و٤) تفسير روح البيان ١٠ : ١٨٦.
(٥) ثواب الأعمال : ١٢٠ ، مجمع البيان ١٠ : ٥٤٠ ، تفسير الصافي ٥ : ٢٣٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
