قيل : بعث وهو ابن أربعين ، أو ثلثمائة وخمسين ، أو أربعمائة سنة (١) .
فلمّا جاء نوح بأمر الله إلى قومه ﴿قالَ﴾ لهم بلين وشفقة : ﴿يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ﴾ من قبل الله ﴿نَذِيرٌ﴾ ومخوّف من سوء عاقبة الشرك بالله وعصيانه ﴿مُبِينٌ﴾ وموضح لكم ما ارسلت به ببيان يفهمه كلّ أحد وهو ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ بامتثال أوامره ، ولا تشركوا به شيئا ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ واحذروا من مخالفته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ واسمعوا نصائحي ومواعظي ، فان قبلتم قولي وأجبتم دعوتي ﴿يَغْفِرْ﴾ الله ﴿لَكُمْ﴾ ما سلف ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ومعاصيكم كلّها ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ ويكمل عمركم المقدّر ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ووقت معين لموتكم ، ولا يعاجلكم بالعقوبة ولا يهلككم بالعذاب.
﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ المقدّر لموت كلّ أحد مطيعا كان أو عاصيا ، وإذا حلّ الوقت المعين في اللوح المحفوظ لموت كلّ نفس ﴿إِذا جاءَ﴾ ووصل ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ ولا يغيّر بالزيادة ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك لسارعتم إلى الايمان والطاعة ، وبادرتم إلى ما أمركم به ، لأنّكم لا تدرون متى يجيء ، فلم يعتن بقوله أحد ، فلبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد وينصحهم بأبلغ نصح ، فلمّا طالت المدّة وعارضه قومه وآذوه حتى ضاق صدره وانقطعت عنه الحيل ، ناجى ربّه وشكا إليه قومه ، ﴿قالَ رَبِ﴾ إنّك تعلم ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى توحيدك وطاعتك ﴿لَيْلاً وَنَهاراً﴾ من غير توان وفتور.
قيل : كان يجيء باب البيوت في الليالي فيقرع ويقول لصاحب البيت قل لا إله إلا الله (٢) .
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي﴾ إلى توحيدك وطاعتك ﴿إِلَّا فِراراً﴾ ممّا دعوتهم إليه ، ونفرة ممّا نصحتهم به ، وامتناعا من قبول دعوتي ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ إلى التوحيد والإقرار برسالتي ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ذنوبهم وسيئاتهم ﴿جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ وسدّوا مسامعهم لئلا يسمعوا قولي تنفّرا منه ﴿وَاسْتَغْشَوْا﴾ ولفّوا برؤوسهم ﴿ثِيابَهُمْ﴾ وتغطّوا بها لئلا يروني ولا أراهم ﴿وَأَصَرُّوا﴾ على كفرهم ومعاصيهم ، وأقاموا عليها لجاجا وعنادا ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ وتعظّموا عن إقباحي وقبول دعوتي ﴿اسْتِكْباراً﴾ شديدا لا يصرفهم عنه شيء ﴿ثُمَّ إِنِّي﴾ لمّا رأيت أنّ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ سرا غير مفيدة (٣) لهدايتهم ، دعوتهم وأجهرت في دعوتهم ﴿جِهاراً﴾ بليغا ، واظهرت دعائي إلى الايمان إظهارا شديدا ﴿ثُمَّ إِنِّي﴾ رأيت أنّ الإجهار وحده لا يؤثّر فيهم ﴿أَعْلَنْتُ﴾ دعوتي ﴿لَهُمْ﴾ في مجامعهم ومجالسهم ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ الدعوة في أبواب بيوتهم وفي خلواتهم ﴿إِسْراراً﴾ وأخفيتها إخفاء.
__________________
(١) تفسير روح البيان ١٠ : ١٧١ ، وفيه : أربعمائة وثمانين.
(٢) تفسير روح البيان ١٠ : ١٧٤.
(٣) في النسخة : مفيد.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
