وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾
ثمّ ردّ سبحانه استبعادهم بأنّ عدم تميّز الأجزاء إنّما هو عندكم ، لقصور علمكم ، وأمّا نحن فانّا ﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ وميّزنا كلّ ذرة من تراب ﴿ما تَنْقُصُ﴾ وتأكل ﴿الْأَرْضُ﴾ من أجزاء كلّ جسد ﴿مِنْهُمْ﴾ وتصيّر من لحومهم وعظامهم وتغيّرنا ترابا مع التفرّق في اقطارها وتخومها ، واختلاط بعضها مع بعض ﴿وَ﴾ مع ذلك ﴿عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ ومصون من الغلط والتغيير والسهو ، فيه تفاصيل الأشياء كلّها جزءا جزءا ، وهو اللوح المحفوظ.
وقيل : إنّ المراد تمثيل علمه تعالى بعلم من عنده كتاب مضبوط فيه تفاصيل جميع الموجودات في العالم (١) ، يعلم الناظر فيه بخصوصيات كلّ ذرّة منها ، بحيث لا يشتبه عليه جزء بجزء ، فكيف يستبعد ممّن كان علمه بهذه السّعة والكمال رجعهم وإعادتهم أحياء ؟ لا والله ليس الإعادة عندهم بذلك البعيد ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ عنادا ولجاجا ﴿بِالْحَقِ﴾ ورسالة محمد الثابتة بالمعجزات الباهرات ، أو القرآن الثابت كونه كلام الله باشتماله على وجوه من الإعجاز ﴿لَمَّا جاءَهُمْ﴾ من غير تفكّر وتأمّل في براهين صدقه ﴿فَهُمْ﴾ كائنون ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قيل : إنّ المراد في رأي مختلف وقول مختلط ، حيث قالوا تارة إنّه شاعر أو شعر ، وتارة إنّه كاهن أو كهانة (٢) .
وقيل : يعني في حال مضطرب ، فانّهم تارة يظهرون الشكّ في صدقه ، وتارة يظهرون الظنّ بكذبه ، ويتعجّبون من دعوته ، وتارة يظهرون الجزم بكذبه (٣) .
ثمّ إنّه تعالى بعد إبطال استبعادهم بقوله : ﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ إلى آخره ، استبعد منهم ذلك الاستبعاد مع ظهور قدرته بقوله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ قيل : إنّ التقدير أكان المنكرون للبعث عميانا فلم ينظروا نظرا منهيا (٤)﴿إِلَى السَّماءِ﴾ وهي ظاهرة عندهم غير غائبة عنهم حيث إنّها ﴿فَوْقَهُمْ﴾ فيروا أنّا ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ ورفعناها مع عظمتها بغير عمد ؟ ! ومن المعلوم أنّ بناءها أصعب من نباء أساس أبدانهم ﴿وَ﴾ كيف ﴿زَيَّنَّاها﴾ بزينة الكواكب مع أنّ تزيينها أصعب وأكمل من تزيين أبدانهم باللحم والجلد والسمع والبصر ﴿وَ﴾ الحال أنّه ﴿ما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ وفتوق ومسام وخلل ، ولبدن الانسان خلل ومسامات ، ومن الواضح أنّ تأليف ما خلل له ولا مسامّ أصعب من تأليف ماله خلل وفرج ومسام ، فكيف تستبعدون خلق الأبدان ثانيا مع كونه أهون ؟ !
__________________
(١) تفسير البيضاوي ٢ : ٤٢٠ ، تفسير أبي السعود ٨ : ١٢٦ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٠٥.
(٢) تفسير الرازي ٢٨ : ١٥٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٨ : ١٥٤.
(٤) تفسير روح البيان ٩ : ١٠٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
