ثمّ بيّن سبحانه علّة إصرارهم على مخالفة الله وعصيانه بقوله : ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ واستولى ﴿عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ وملك قلوبهم بحيث يسوقهم إلى طاعته فيما يريد منهم ﴿فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ﴾ وأغفلهم عن التوجّه إليه بحيث لا يخطر ببالهم تصوّر أنّهم مخلوقه ومربوبه ﴿أُولئِكَ﴾ البعيدون عن الله وعن كلّ خير ﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ وجنده وأتباعه ﴿أَلا﴾ أيّها العقلاء اعلموا ﴿إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ﴾ وجنده ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ والمتضرّرون بغاية الضرر في الدنيا والآخرة ، حيث فوّتوا على أنفسهم النعيم المؤبّد ، وأبدلوه بالعذاب المخلّد.
عن القمي ، قال : نزلت في الثاني ، لأنّه مرّ رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو جالس عند رجل من اليهود ، يكتب خبر رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فأنزل الله تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا ...﴾ الآية. فجاء الثاني إلى النبي صلىاللهعليهوآله فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : « رأيتك تكتب من اليهود ، وقد نهى الله عزوجل عن ذلك ؟ » فقال : يا رسول الله ، كتبت عنه ما في التوراة من صفتك. وأقبل يقرأ ذلك على رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو غضبان. فقال رجل من الأنصار : ويلك أما ترى غضب النبي صلىاللهعليهوآله عليك ؟ فقال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، إنّي إنّما كتبت ذلك لما وجدت [ فيه ] من خبرك. فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : « يا فلان ، لو أنّ موسى بن عمران فيهم قائما ، ثمّ أتيته رغبة عمّا جئت به ، لكنت كافرا بما جئت به».
وهو قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً*﴾ أي حجابا بينهم وبين الكفار ، وأيمانهم إقرارهم باللسان خوفا من السيف ودفع الجزية.
وقوله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الذين غصبوا آل محمد حقّهم ، فيعرض عليهم أعمالهم ، فيحلفون له إنّهم لم يعملوا منها شيئا ، كما حلفوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله في الدنيا حين حلفوا أن لا يردّوا الولاية في بني هاشم ، وحين همّوا بقتل رسول الله صلىاللهعليهوآله في العقبة ، فلمّا أطلع الله نبيه وأخبره حلفوا إنّهم لم يقولوا ذلك ، ولم يهمّوا به حين أنزل الله على رسوله : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾(١) . قال : إذا عرض الله عزوجل ذلك عليهم [ في القيامة ] ينكرون ويحلفون له ، كما حلفوا لرسول الله صلىاللهعليهوآله وهو قوله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً ...*﴾ الآية (٢) .
أقول : الظاهر تطبيق الآية على أعمالهم ، لا أنّه شأن نزولها.
__________________
(١) إلى هنا في تفسير القمي.
(٢) تفسير القمي ٢ : ٣٥٧ ، تفسير الصافي ٥ : ١٥٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
