وأعطيناه ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ الذي فيه هدى ونور ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في دينه بهدايته وتربيته ﴿رَأْفَةً﴾ ومودّة للمؤمنين ﴿وَرَحْمَةً﴾ وعطوفة عليهم ﴿وَرَهْبانِيَّةً﴾ وإعراضا عن الدنيا ولذائذها ، ولكن ما أوجبناها عليهم ، وإنّما ﴿ابْتَدَعُوها﴾ وأحدثوها من عند أنفسهم ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ وما شرّعناها لهم لطريق النّدب على ما قيل (١)﴿إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ وطلبا للقرب منه. قيل : إنّ الاستثناء منقطع (٢) ، والمعنى : ما أوجبناها عليهم في كتابهم ولسان رسوله لهم ، ولكن التزموها لابتغاء مرضاة الله.
عن ابن عباس : أنّ في أيام الفترة بين عيسى ومحمد صلىاللهعليهوآله غيّر الملوك التوراة والإنجيل ، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصّوف (٣) .
وعن ابن مسعود ، عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « يابن مسعود ، أما علمت أنّ بني إسرائيل تفرّقوا ثلاث و(٤) سبعين فرقة كلّها في النار ، إلّا ثلاث فرق ؛ فرقة آمنوا بعيسى عليهالسلام وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، فأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين ، فلبسوا العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافي ، وهو قوله تعالى : ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ...﴾ الآية » (٥) .
وقيل : إنّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليهالسلام فقاتلوا ثلاث مرات ، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلّا قليل ، فخافوا أن يفتنوا في دينهم ، فاختاروا الرّهبانية في قلل الجبال ، فارّين بدينهم ، مخلصين أنفسهم للعبادة ، منتظرين للبعثة النبوية التي وعدها عيسى عليهالسلام (٦) .
وروي أنّ الله لمّا أغرق فرعون وجنوده ؛ استاذن الذين كانوا آمنوا من السّحرة موسى عليهالسلام في الرجوع إلى الأهل والمال بمصر ، فأذن لهم ، ودعا لهم ، فترهّبوا في رؤوس الجبال ، فكانوا أول من ترهّب ، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليهالسلام حتى توفّاه الله ، ثمّ انقطعت الرّهبانية بعدهم حتّى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليهالسلام (٧) .
﴿فَما رَعَوْها﴾ ولم يحفظوها قيل : يعني المقتدين بهم بعدهم (٨)﴿حَقَّ رِعايَتِها﴾ وكمال حفظها ، بل خلطوها وأفسدوها بالقول بالتثليث ، وأكل الخنزير ، وشرب الخمر ، وقصد الرياء والسّمعة ، والكفر
__________________
(١) تفسير جوامع الجامع : ٤٨٣.
(٢) تفسير الرازي ٢٩ : ٢٤٦ ، تفسير البيضاوي ٢ : ٤٧١ ، تفسير روح البيان ٩ : ٣٨٢.
(٣) تفسير الرازي ٢٩ : ٢٤٥.
(٤) ( ثلاث و) ليست في تفسير الرازي.
(٥) تفسير الرازي ٢٩ : ٢٤٥.
(٦) تفسير أبي السعود ٨ : ٢١٣ ، تفسير روح البيان ٩ : ٢٨٢.
(٧و٨) تفسير روح البيان ٩ : ٣٨٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4467_nafahat-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
