وهذا من الإرفاق بشأنهنّ ، فلا يزعجن بالخروج عمّا ألفن به من الحياة السعيدة ، فور فقدان الأزواج.
والظاهر اختصاص الآية بمن لا ولد لها من الزوج المتوفّى ، وإلّا فلها البقاء بحقّ ميراث ولدها من متاع.
على أنّ الأولاد لا يقومون بإزعاج أمّهاتهم فور فوات الآباء ، فلا موضع لتوصيتهم بعدم الإخراج.
على أنّ المعهود عند كبر الآباء أن يزوّجهم الأبناء من يكفل أباهم من النساء الأيّمات ، وكانوا إذا مات ، متّعوهنّ شيئا ويدعوهنّ لشأنهنّ ويخرجونهنّ من البيوت ، إذ لا شأن لها عندهنّ بعد فوت الأب.
هذا وقد نهاهم الله عن ذلك ، وأوصى بهنّ الإمهال لمدّة سنة ، ليتمكّنّ من جمع شملهنّ والإعداد للخروج.
وهذا المعنى للآية ، في غنى عن أيّ تقدير ، هو خلاف الأصل.
والآية صريحة في أنّ الّذين يتوفّون منكم ـ خطاب لأهل الميّت ـ ويذرون أزواجا ـ الظاهر :
أن لا علاقة لها تصلها بالأسرة ـ فعند ذلك يوصي الله وصيّة لهنّ ـ الظاهر في الانتفاع ورفاه الحال بهذه الوصيّة. أمّا القول بأنّها وصيّة بالحداد لمدّة سنة ، فهو خلاف ظاهر هذا التعبير الرقيق الرفيق!!
وعلى هذا فلا منافاة بين هذه الآية وآيتي الميراث والاعتداد. فلا موجب للقول بالنسخ بعد عدم ضرورة تدعو إليه.
على أنّه لا مجال للنسخ في آيات أحكام نزلت بالمدينة بعد فترة سنوات من الهجرة ، إذ كيف يعقل من آية نزلت في أخريات سورة البقرة ـ حوالي السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة ـ وكانت تهدف إلى تقرير عادة جاهليّة ، لغاية تعديلها ، ثمّ نسخها بآية نزلت من ذي قبل؟!
كلّ ذلك خلاف ظاهر تعبير الكتاب. ومن ثمّ فالقول بالنسخ هنا مردود من وجوه : خلاف ظاهر التعبير. خلاف الاعتبار العقلاني في تشريع الأحكام. وخلاف الأصل في مسألة النسخ ومسألة التقدير في الكلام من غير ضروره تدعو إليه.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
