وقد جاءت هذه الأصول في هذا المقطع من الآيات ، فبعد أن ابتدأ بأعظم تلك الأصول ، وهو تأسيس منبع ماليّ للأمّة به قوام أمرها ؛ يؤخذ من الأثرياء أخذا عدلا ، ويوزّع على الفقراء توزيعا عادلا. سواء أكان من المفروض على الأغنياء كالزكاة أو تطوّعا كالصدقة والقرض الحسن وما شابه. فأطنب في الحثّ عليه والترغيب في ثوابه ، بعد ذلك عطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم ، وهي المعاملة بالربا ، ربا الجاهليّة كانت تتضاعف أضعافا مضاعفة ، كان يتقاضى الدائن من المدين مالا زائدا على قدر الدين لأجل التأجيل ، فإذا حلّ الأجل زاد في الربا. وهكذا ، وربما بلغ بالمدين ما أسقطه عن الوجود سوى كونه ألعوبة في يد دائنه لإشباع نهمه ولا يشبع.
وهكذا كان يتلاعب المرابون بمقدّرات الأمّة وأكثرهم معتازون. ولا يدري المسكين أنّه بذاته ألعوبة في يد إبليس يتلاعب به في هواجس خبيثة سافلة إلى حدّ بعيد. (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ...).
(يَأْكُلُونَ) يبتلعون ابتلاع نهم حريص. وهذا استعارة وتمثيل لمن أخذ الشيء بحرص بالغ.
ومن ثمّ فهو متخبّط مختلط في أموره يضرب هنا وهناك ، لا يلوى على شيء.
وهكذا المعتاد على أخذ الربا متشوّش البال ومضطرب الحال ، كالّذي خلط عقله وساوس الشيطان ، فلا يكاد يستقرّ على أمر يسكن إليه أو ملجأ يركن لديه وهذا هو تصوير لحالتهم الفضيعة الفجيعة عليهم عند ما يحاولون القيام بأيّ أمر من أمورهم في الحياة ، كتائة لا يدري ما يريد ولا يشعر فيما يفعل ، ويخبط خبط عشواء.
[٢ / ٨١٠٨] قال قتادة : التخبّط هو التخبّل الّذي يتخبّله الشيطان من الجنون (١).
تخبّط المرائي في هذه النشأة قبل النشأة الأخرى
نعم تلك حالتهم الفضيعة في هذه الحياة ، فكيف بهم وعند البعث من القبور! لكن مضت معظم التفاسير على أنّ المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة ، هو القيام يوم البعث (٢). حتّى أنّه جاء في قراءة منسوبة إلى عبد الله بن مسعود : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ) [يوم القيامة](إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي
__________________
(١) الطبري ٣ : ١٤١ ؛ عبد الرزّاق ١ : ٣٧٣ / ٣٥٢.
(٢) راجع : البيضاوي ١ : ٢٦٧ ، والمجمع ٢ : ٣٨٩.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
