واستدلّ أبو مسلم بوجوه : أحدها : أنّ النسخ خلاف الأصل فلا يصار إليه ما أمكن.
الثاني : يجب تأخير الناسخ عن المنسوخ في النزول ، وعليه فمن المناسب تأخّر ثبتها في المصحف في الترتيب. أمّا تقدّم الناسخ على المنسوخ في الثبت ، فهو وإن كان جائزا في الجملة ـ وبتقرير من الرسول أحيانا ـ إلّا أنّه يعدّ من سوء الترتيب ، وتنزيه كلام الله عنه واجب بقدر الإمكان.
فكان الأولى أن لا يحكم عليها بالنسخ ، إذ لا ضرورة تدعو إليه.
الثالث : ثبت في الأصول : أنّه متى وقع التعارض بين النسخ والتخصيص كان التخصيص أولى. وبما أنّ هذا الوجه يخصّص الآية بصورة إيصاء الأزواج لهنّ ، كان أولى.
قال الفخر الرازي : وعليه كان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير ضرورة.
وأمّا على قول أبي مسلم فالكلام أظهر ؛ لأنّ المشهور يقدّرون الآية : فعليهم وصيّة لأزواجهم أو فليوصوا وصيّة لهنّ ، ليكون حكما من الله فرضا على الأزواج عند حضور الوفاة.
وأمّا أبو مسلم فيرى تقدير الآية : والّذين يتوفّون منكم ولهم وصيّة لأزواجهم ؛ أو وقد أوصوا وصيّة لأزواجهم ، فالوصيّة من الزوج نفسه.
قال : وإذ كان لا بدّ من الإضمار والتقدير ، فليس إضمار المشهور أولى من إضمار أبي مسلم. هذا في حين استلزام إضمار المشهور القول بالنسخ ، دون إضمار أبي مسلم ، فكان أولى.
قال : وعند هذا يشهد كلّ عقل سليم بأنّ إضمار أبي مسلم أولى من إضمار المشهور ، وأنّ الالتزام بالنسخ التزام له من غير دليل. هذا مع ما في قول المشهور من استلزام سوء الترتيب في المصحف الشريف ، الأمر الّذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه .. قال : وهذا كلام واضح (١).
***
قلت : والّذي يترجّح في النظر ، ويتوافق مع ظاهر تعبير القرآن ، هو قول مجاهد : إنّها توصية من الله بشأن المتوفّى عنهنّ أزواجهنّ ، وأنّ لها حقّ الاستمتاع بالبيوت ـ زيادة على عدّتهنّ أربعة أشهر وعشرا ـ تمام الحول ، إن شاءت تمتّعت بالبقاء وإن شاءت أعفته.
__________________
(١) التفسير الكبير ٦ : ١٥٨ ـ ١٥٩. وأورده السيّد رشيد رضا في تفسير المنار (٢ : ٤٤٨ ـ ٤٤٩) والظاهر ارتضاؤه له.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
