والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هو أمر غالب ، وليست ممّا يكسب ولا يكتسب ، وكان في هذا البيان فرح الصحابة وكشف كربهم (١).
وهكذا ذكر ابن عاشور : أنّ إطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدّمين ، والمراد : البيان والتخصيص (٢).
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ : يجوز أن تكون الآية الثانية بيّنت الأولى وأزالت توهّم من صرف ذلك إلى غير وجهه ، فلم يضبط الرواية فيه وظنّ أنّ ما يخطر للنفس أو تحدّث نفسه به ممّا لا يتعلّق بتكليفه ، أنّ الله يؤاخذه به ، والأمر بخلاف ذلك ، وإنّما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي ، من الاعتقادات والإرادات (٣) وغير ذلك ممّا هو مستور عنّا ، فأمّا ما لا يدخل في التكليف (٤) فخارج عنه ، لدلالة العقل.
[٢ / ٨٢٤٩] قال : ولقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «تجوّز لهذه الأمّة عن نسيانها وما حدّثت به أنفسها» (٥).
ويشهد لهذا التأويل ، الحديث التالي :
[٢ / ٨٢٥٠] أخرج ابن جرير وابن منذر من طريق الزّهريّ عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ..) ضجّ المؤمنون منها ضجّة وقالوا : يا رسول الله : هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل بهذه الآية : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) إنّكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة (٦).
[٢ / ٨٢٥١] وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ، قال : لمّا نزلت : (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) اشتدّ ذلك على القوم ، فقالوا : يا رسول الله إنّا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا؟ هلكنا! فأنزل الله ـ عزوجل ـ : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها)
__________________
(١) المحرّر الوجيز ١ : ٣٨٩ ـ ٣٩٠.
(٢) التحرير والتنوير ٢ : ٥٩٧.
(٣) ممّا تكون اختياريّة وإن كانت قلبيّة مستورة عن غيره سوى الله.
(٤) من الخواطر والهواجس غير الإراديّة.
(٥) التبيان ٢ : ٣٨٢ ، وهكذا أبو عليّ الطبرسيّ في مجمع البيان ٢ : ٢٢٦.
(٦) الدرّ ٢ : ١٣٣٣ ـ ١٣٤ ؛ الطبري ٣ : ٢٠٩ / ٥٠٩٩ ؛ الثعلبي ٢ : ٣٠٦.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
