يذكّره ، وإذا ترك شيئا ، تكون شهادته باطلة ؛ يعني إذا ترك شيئا ممّا يبيّن الحقّ فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه ، فإنّه لا يعتدّ بها ولا بشهادة الآخر وإن بيّنت» (١).
وقالوا في سبب ذلك : إنّ المرأة ليس من شأنها الاهتمام بالأمور الماليّة ونحوها من المعاوضات ولا سيّما الخطيرة منها ، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ، ولا تكون كذلك في الأمور المنزليّة الّتي هي شغلها ، فإنّها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، يعني أنّ من طبع البشر ـ ذكرانا وإناثا ـ أن تقوى ذاكرتهم للأمور الّتي تهمّهم ويكثر اشتغالهم بها. والأحكام العامّة إنّما تناط بالأكثر في الأمور وبالأصل فيها ، ولا تناط بالشاذّ النادر (٢).
***
وكما وجّه الخطاب في أوّل النصّ إلى الكتّاب أن لا يأبوا الكتابة ، يوجّهه هنا إلى الشهداء أن لا يأبوا الشهادة ، فإنّ في الإباء من الشهادة إضاعة لحقّ. (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوّعا ، فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحقّ.
وهنا ينتهي الكلام عن الشهادة ، ويعرّج إلى ضرورة الكتابة ـ كبر الدين أو صغر ـ ويعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة ، عند حصول الاطمئنان والاعتماد من الطرفين ، لكنّه تعالى يؤكّد على رفض الخجل أو السأم في هكذا مجالات قد لا تحمد عقباها إذا ما أخذ فيها بالإهمال وقلّة المبالاة : (وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا) حيث الكتابة فيها زيادة التوثّق والاطمينان عند بلوغ الأجل.
ذلك شأن الدين المسمّى إلى أجل. أمّا التجارة الحاضرة ، فإنّها تعفى عن قيد الكتابة ، ولا سيّما الصغيرة منها تيسيرا للمعاملات الدارجة يوميّا وتكفي فيها شهادة الشهود إذا كانت خطيرة : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) في الخطيرة منها.
وبذلك انتهى الكلام عن تشريع الدين والتجارة ، والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة ، والآن جاء ليقرّر حقوق الكتّاب والشهداء ، كما قرّر واجباتهم من قبل ، لقد أوجب عليهم أن لا يأبوا
__________________
(١) المصدر.
(٢) راجع ما فصّلناه بهذا الشأن في كتابنا «شبهات وردود» : ١٣٢ ـ ١٣٦.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
