مُبْصِرُونَ)(١).
فالتعبير بالمسّ لا يراد به الإمساس أو اللمس مباشرة ، بل هي الوسوسة المقيتة المغربة.
***
قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ...) أي ودليلا على تعسّفهم وخبطهم في الرأي أنّهم حسبوا من الربا نظيرا للبيع. في كونها تبادلا في المال. في حين أنّهم سفهوا في هذا القياس الباطل (مع الفارق) حيث البيع هي تنمية المال بمبادلة السّلع ترفيها وتوسعة على العباد.
أمّا الربا فليس سوى تنمية المال بعين المال ، تضييقا على العباد. (وَ) من ثمّ (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا). والله تعالى لا يحلّ شيئا إلّا ويكون فيه صلاح للناس ومنافع. ولا يحرّم شيئا إلّا ويكون فيه الفساد والدمار : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ)(٢).
(فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ) ، فمن جاءته هذه العظة وانتهى عن شنائعه ، فله ما سلف ، وأمره فيما تعاطى من الحرام إلى الله ، إن كان صادقا في إيمانه ، نصوحا في توبته ، فسوف يغفر الله له. ولكن (وَمَنْ عادَ) إلى مآثمه الأولى (فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) حيث العودة إلى الكفر من أشدّ الكبائر الموجبة للبعد من رحمته تعالى أبديّا. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ)(٣). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)(٤).
وكيف يكون الربا نظير البيع ، في حين أنّ في الربا مفسدة جاهرة ، وفي البيع منفعة شاملة. كما لا يقاس الربا بالصدقة الّتي هي منحة وسماحة ، على عكس الربا الّذي فيه التضايق والعسرة. (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ). هذا بالنظر إلى الجوامع البشريّة ، فتزداد نشاطا وحيويّة ، إذا ما ساد فيها روح الأريحيّة ، والتعاضد والتكافل الاجتماعي العامّ. فتزداد بركة في الأموال وبهجة وانبساطا في النفوس.
أمّا إذا كان التكالب على الحطام هو السائد على النظام ، فلا يزدادون سوى الشره والتقاعس والانهيار. (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ). كفّار لأنعمه تعالى ، أثيم في تصرّفاته الغاشمة.
__________________
(١) الأعراف ٧ : ٢٠١.
(٢) الأعراف ٧ : ١٥٧.
(٣) آل عمران ٣ : ٩٠.
(٤) النساء ٤ : ١٣٧.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
