يدعوا : «اللهمّ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سنّي وانقطاع عمري» (١).
***
وبعد ، فيمضي السياق خطوة أخرى في دستور الصدقة ، تبيينا لنوعها الصالح للإنفاق في سبيل الله. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).
نعم إذا كانت الصدقات إنفاقا في سبيل الله ، وعملا صالحا يقدّمه العباد إلى ساحة المولى الكريم ، فأجدر به أن يكون من أحسنه ومن أجود المال وأطيبه. حيث مقتضى الكرامة أن يكون الجود بأفضل الموجود : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)(٢).
ولا يليق بكرامة الباذل أن يعمد في بذله إلى خبيث المال ورديئه ، فيقدّمه إلى مولاه الكريم. (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ).
تيمّم الشيء : توخّاه وتعمّده. والخبيث : الرديء المستكره.
أي ولا تعمدوا إلى رديء المال ومستكرهه عندكم ، لتبذلوه في سبيل الله. فقد كنتم تعافونه إذا قدّم إليكم ، فكيف لا تعافون تقديمه إلى مولاكم؟! فلو كان قد قدّم إليكم في صفقة (بيعة) ما قبلتموه ، بل رفضتموه ، لمكان ردائته. إلّا إذا انتقص من ثمنه بإزاء موضع ردائته. فتغمضوا في قبوله أي تساهلون فيه.
فمال هكذا شأنه ، بحيث لا يتبادل إلّا في إغماض وتساهل ، عمّا فيه من العيب والردائة ، فكيف تعمدون إلى إنفاقه والصدقة به على الفقير المعوز ، الّذي هو مرغم على القبول ، لمكان فقره وحاجته ، وهذا استغلال لفرصة غير حميدة. بل وتحقير بذيء لصاحب الحاجة الّذي قصدك أن تسمح له ممّا أنعم الله عليك ، وفي سبيل رضاه تعالى! والله الّذي أغناك هو أولى بأن يسخط عليك ويسلبك نعمته.
__________________
(١) الدرّ ٢ : ٤٩ ؛ الأوسط ٤ : ٦٢ / ٣٦١١ ؛ الحاكم ١ : ٥٤٢ ، كتاب الدعاء ؛ مجمع الزوائد ١٠ : ١٨٢ ، كتاب الأدعية ، قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن ؛ ابن كثير ١ : ٣٢٧ ، وفيه «وانقضاء» بدل قوله : «وانقطاع» ؛ كنز العمّال ٢ : ١٨٨ / ٣٦٨٢.
(٢) آل عمران ٣ : ٩٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
