الحكم الإسلاميّ العادل.
إنّ قضيّة الربا ـ في واقعها ـ استثمار من الأقوياء لجهود الضعفاء ، واستغلال لئيم لموضع حاجتهم بالذات ، وبذلك يصبح المدينون أكرة يعملون في صالح المرابين ، وليس لهم سوى الكدّ والجهد البالغين.
ذلك أنّ المرابي يشترط على المقترض ربحا معيّنا ، من غير ضمان خسارة أو ضرر متوقّع. وليس من اليقين حصول ربح يزيد على ما يتقاضاه صاحب المال.
فسواء ربح العامل أو لم يربح ، وسواء كان ما يربحه يزيد على ما يتقاضاه صاحب المال أو لا يزيد ، أفاد العامل شيئا في عمله أم لم يفد ، ففي جميع هذه الأحوال فإنّ الغريم مطالب بدفع ما فرضه الدائن عليه.
هذا مع العلم بأنّ أكثر من يتقاضا الدّين هم المعوزون ومن ذوي الحاجات المساكين ، الأمر الّذي يزيد في مسكنتهم وفقرهم المدقع. وكان هو الشائع في الجاهليّة ـ ولا يزال ـ إنّ الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل ، على أن يأخذ منه كلّ شهر قدرا معيّنا ، ورأس المال باق بحاله. فإذا حلّ الأجل طالبه برأس ماله ، فإن تعذّر عليه الأداءزاده في الحقّ والأجل ، فلا يزال المدين يكدّ ويعمل لدفع ضريبة المال ، بلا أن ينتقص منه شيء. وربما لا يستفيد أكثر ممّا فرض عليه دفعه إلى الدائن فقد بذل جهده بلا أجر.
وبموجب أيّ شيء من العقل والعدل ومبادىء التجارة وقانون الاقتصاد ، يمكن إثبات معقوليّة أن تكون منفعة العاملين في الانتاج ، الّذين صرفوا أوقاتهم وبذلوا جهودهم واستنفدوا كلّ ما لديهم من قوى وطاقات فكريّة وجسديّة ، لإنتاج حاجات المجتمع وتهيئتها ، يأبي كلّ شيء من العقل والعدل أن يكون ربح هذه المساكين غير معيّن ولا مضمون ، ويكون نفع ذلك المرابي الوادع المستريح القابع في بيته ، معيّنا مضمونا ، يدفع إليه كلّ شهر كملا وبلا تأخير ليكون هؤلاء العاملون ـ دائما ـ مهدّدين بالخطر ، ويكون صاحبهم هذا مضمونا ربحه مهما تكن الظروف والأحوال؟!
نعم من المعقول أن يتوافق المالك والعامل بنسبة من الربح الحاصل بينهما ، كما في المضاربة في صيغتها المعهودة لدى العرف والعقلاء ، وتعود الخسارة إلى صاحب المال ، حسبما قرّره الشرع الحنيف. وذلك نظرا لأنّ العامل حينذاك يصبح كالأجير على عمل تجاريّ ونحوه ، فإنّ له الأجر
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٦ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4125_altafsir-alasari-aljame-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
