نظرا إلى أنّه كيف يصحّ ذلك مع ما هم عليه من أنّ فعل الضدّ لا يكون مقدّمة لترك ضدّه ، وبذلك أطبقوا على بطلان مذهب الكعبي في دعوى وجوب المباح لكونه مقدّمة لترك الحرام.
وأوردوا عليه من باب النقض : بأنّه لو صحّ ذلك لزم إيجاب الحرام وتحريم الواجب.
والاعتذار له تارة : بأنّ هذا إنّما هو في الغالب وإلاّ فقد يتّفق أنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل وجودي.
واخرى : بأنّ الوجوب هنا ثابت بالنصّ والإجماع أو بالعقل والنقل كما في كلام بعض الفضلاء (١).
يندفع في الأوّل : بمنع التوقّف مطلقا بل ترك الحرام يستند دائما الى وجود الصارف الّذي قد يقارنه فعل وجودي كما تقدّم تحقيقه في بحث الضدّ.
وفي الثاني : منع وجود النصّ والنقل بوجوب الخروج بالخصوص ، ومنع تحقّق الإجماع ومساعدة العقل على وجوب مطلق الخروج حتّى ما لا يكون منه بنيّة التخلّص ورفع اليد عن ملك الغير.
وثانيهما : ما يتوجّه إلى من أطلق في القول بكون الخروج منهيّا عنه ، نظرا إلى أنّ الأحكام تتبع عناوينها فتثبت مع ثبوتها وتنتفي مع انتفائها ولو لأجل اختلال قيد من قيودها كما هو كذلك في المثال المذكور ، فإنّ الغصب تصرّف عدوانيّ أو تصرّف غير مأذون فيه من المالك والخروج كثيرا مّا يلحقه إذن المالك ورضاه كما إذا كان على وجه التخلّص بل هو كذلك دائما ، لما هو معلوم بشهادة الحال أنّ كلّ مالك مغصوب منه آذن في الخروج عن ملكه وراض به وغير مانع منه ، ومعه كيف يتصوّر النهي والتحريم.
إلاّ أن يقال : بأنّ ذلك مناقشة في المثال وأمثلة المسألة غير منحصرة فيما تقدّم بل لها أمثلة كثيرة :
منها : ما لو قعد على صدر حيّ إذا كان انفصاله عنه يؤلمه كقعوده عليه.
ومنها : ما لو أولج فرجه في فرج امرأة زانيا ، فإنّه مأمور بإخراج فرجه ومنهيّ عنه.
ومنها : ما لو ردّ الغاصب العين المغصوبة إلى مالكها فإنّه مأمور بذلك الردّ ومنهيّ عنه.
ولكن يردّه : أنّ المحرّم قد يصادفه ما يوجب حسنه كالتخلّص عن معصية الله ونحوه فلا فرق بين الأمثلة.
__________________
(١) الفصول : ١٣٨.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
