الأمر الثاني : قد يقال : إنّ الانصراف في المطلقات المنصرفة إلى الأفراد الشائعة من خواص التراكيب الكلاميّة لا من خواصّ المطلق بنفسه ، فهو في مركّب ينصرف وفي مركّب آخر لا ينصرف.
ومن أمثلته ما لو قال ( عليه السلام ) : « توضّأ بالماء » مع قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً ) (١) فإنّ « الماء » في الأوّل ينصرف إلى الأفراد الشائعة المتعارفة دونه في الثاني.
ومنها : ما لو قال : « لا تسجد على مأكول » مع قوله : « ايتني بمأكول » فإنّ الأوّل محمول على ما يعمّ المأكول الغير العادي بخلاف الثاني لانصرافه إلى العادي المتعارف.
ومنها : ما لو قال : « بع فرسي بالنقد » مع قوله : « تصدّق بالنقد » فإنّ الأوّل ينصرف إلى النقد الغالب في البلد وفي الثاني يجزيه غير النقد الغالب.
ومنها : ما لو قال : « اشتر لي عبداً » مع قوله في مقام الوصيّة : « أعتقوا عنّي عبداً » فإنّ الأوّل ينصرف إلى الشائع المتعارف من أفراد العبد بخلاف الثاني لإجزاء عتق غير الشائع أيضاً ، إلى غير ذلك من الأمثلة.
وفيه من الضعف المبنيّ على الخلط ما لا يخفى ، فإنّ الانصراف في المطلقات المشكّكة إنّما ثبت على سبيل القاعدة كما أشرنا إليه سابقاً ، ولا ريب أنّ القاعدة كثيراً مّا يخرج عنها لدليل أو قرينة على خلاف مقتضاها في بعض مواردها ، فما يتراءى في الأمثلة المذكورة ونظائرها من جريان الحكم في الأفراد الغير الشائعة أيضاً فإنّما لدليل أو قرينة على إناطة الحكم بالماهيّة من حيث هي السارية في جميع الأفراد شائعة وغيرها ، كالامتنان وورود النكرة في سياق النفي المفيدين للعموم ، والقرينة العرفيّة على كون المطلوب في الصدقات أو الوصايا هو إدراك الثواب المنوط بماهيّة الصدقة أو العتق مثلا ، فيحصل الإجزاء بالفرد النادر أيضاً فإنّ الثواب المعلّق على ماهيّة الصدقة لا يتفاوت فيه الحال بين الصدقة بالنقد الغالب وبين غيره ، وكذلك الثواب المعلّق على ماهيّة العتق لا يتفاوت فيه الحال بين عتق الفرد الشائع من العبد وبين عتق الفرد الغير الشائع منه.
المرحلة الرابعة
قد ظهر من تضاعيف كلماتنا السابقة أنّ موضوع قاعدة الانصراف هو المطلق المشكّك وأنّ الموجب للتشكيك هو غلبة الإطلاق وندرته.
__________________
(١) الفرقان:٤٨.د
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
