ما ذكره في تحقيق المقام من أنّ الرجحان لمّا كان من الصفات المشتملة على المراتب المختلفة بالشدّة والضعف فالنوع الكامل منه رجحان يشتمل على المنع من النقيض وهو الرجحان الوجوبي ، والناقص منه رجحان لا يشتمل على المنع وهو الرجحان الندبي ، وأمّا كون تركه مأذونا فيه فخارج عن حقيقة الرجحان ومقوّماته وإنّما هو من المقارنات الاتّفاقية حيث لا يوجد جهة تقتضي المنع من تركه.
وهذا كما ترى خلط وغفلة عمّا يلزمه الإنشاء في المعنى الإنشائي من إظهار الرضا بالترك الّذي يقال له : الإذن فيه وإظهار عدم الرضاء به الّذي يقال له : المنع منه.
المطلب الثالث
في اجتماع الوجوبين
الّذي أخذه بعضهم من موارد النقض كما في الفرائض المنذورة ، وما لو أمر الأب ولده بفعل خاصّ مع أمر الامّ به بعينه.
وبيان النقض : أنّ احتجاج المانعين من اجتماع الأمر والنهي باستلزامه اجتماع المتضادّين إن تمّ لاقتضى القول بعدم جواز اجتماع الوجوبين أيضا ، إذ كما أنّ اجتماع الضدّين محال فكذلك اجتماع المثلين أيضا محال وقد ثبت في الشريعة خلافه ، فإنّ نذر الفرائض صحيح كنذر المندوبات وقد اجتمع فيها وجوبان وجوب أصلي من جهة قوله تعالى : ( أَقِيمُوا الصَّلاةَ )(١) ووجوب نذري من جهة قوله تعالى : ( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ )(٢) ومثلها ما لو أمر به كلّ من الأب والامّ فإنّ ما دلّ على وجوب إطاعة الوالدين يقتضي تعلّق وجوبين بالفعل المذكور وعلى هذا القياس سائر الأمثلة.
واجيب : بأنّ اجتماع المثلين كاجتماع الضدّين محال ، إذ كلّ منهما يحتاج إلى محلّ خاصّ فارغ عن وجود الآخر والموجود فعلا في الأمثلة المذكورة ليس إلاّ أحدهما كما في الضدّين ، على معنى أنّ الموجود وجوب واحد لا وجوبان.
نعم جهتاهما موجودتان فيه وبهما يتأكّد الوجوب الموجود.
وبعبارة اخرى : المنقدح في نفس الآمر عند اجتماع جهتي الوجوب ككون الفعل إطاعة للوالد والوالدة ليس إلاّ طلب واحد حتمي متأكّد ومتشدّد لأجل الجهتين لا طلبان حتميّان متكرّران ، وهاتان الجهتان بحيث لو استقلّ كلّ واحدة منهما وانفردت كفت بانفرادها علّة
__________________
(١) الروم : ٣١.
(٢) الحجّ : ٢٩.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
