وكيف كان فاحتجّ بعض الأعلام على ما اختاره بما يرجع محصّله إلى : « أنّ الأمر والنهي دليلان يجب إعمالهما من غير موجب للجمع والتقييد ، لأنّ الموجب إمّا العرف كما في العامّ والخاصّ المطلقين ، أو العقل كما في الساهي إذا دخل الدار المغصوبة فإنّه مأمور بالخروج خاصّة ولا نهي حذرا عن تكليف ما لا يطاق ، ولا سبيل إلى شيء منهما.
أمّا الأوّل : فلعدم كون الخروج من حيث هو موردا للنهي ليكون أخصّ من الغصب المنهيّ عنه ، بل من حيث إنّه تخلّص عن الغصب وهو أعمّ من الغصب ، لأنّه إنّما وجب من حيث كونه من مقدّمات ترك الغصب الواجب ومقدّمة الترك هنا أعمّ من الخروج وإن انحصر أفراده العادية هنا في الخروج ، فيكون بينهما عموم من وجه.
وأمّا الثاني : فلأنّ فرض الاجتماع هنا وإن كان يؤدّي إلى تكليف ما لا يطاق إلاّ أنّه لا قبح فيه لكونه من سوء اختيار المكلّف ، كما يظهر ذلك من الفقهاء فيمن كان مستطيعا فأخّر المسير اختيارا حتّى فاتت استطاعته » (١).
وفيه أوّلا : أنّ عنوان التخلّص عن الغصب وعنوان الغصب لا يجتمعان أبدا ولا يتصادقان على مصداق واحد قطّ ، لما بيّنّاه من أنّ قصد التخلّص رافع لعنوان الغصب وهو لا يصدق على الخروج إلاّ مع قصده ، فإن قصد به التخلّص فهو مأمور به لا غير لأنّه ليس بغصب حينئذ ، وإلاّ فهو منهيّ عنه لا غير لأنّه ليس بتخلّص عن الغصب حينئذ بل هو عين الغصب.
وثانيا : أنّ المانع على تقدير اجتماع العنوانين عقليّ ، وهو عدم الفرق عند العقل في استحالة التكليف بما لا يطاق بين ما لو استند امتناعه إلى اختيار المكلّف أو إلى غيره ، فإنّ الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار خطابا وعقابا كما حقّقناه في بحث المقدّمة.
وثالثا : عدم انحصار جهة المنع في لزوم تكليف ما لا يطاق بل العمدة فيها ـ كما تقدّم في الاحتجاج على المختار في أصل المسألة ـ لزوم اجتماع المتضادّين في محلّ واحد وهو لازم هنا جزما.
ثمّ إنّه رحمهالله بعد كلام طويل قال : « بأنّ مبنى ما اخترناه من اجتماع الأمر والنهي على جعل التكليف من باب التكليف الابتلائي المقصود به التنبيه على استحقاق العقاب ، لا طلبا في نفس الأمر مع علم الآمر بأنّه لا يمكن حصوله مع امتثال الأمر » (٢).
وكأنّه تنبّه على بعض ما أوردناه على احتجاجه ، ويشكل : بأنّه يؤدّي إلى استعمال
__________________
(١) القوانين ١ : ١٥٣ ـ ١٥٤ نقلا بالمعنى.
(٢) القوانين ١ : ١٥٤.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
