مصالحها إلى غير المكلّف في العرفيّات ، وذلك لوضوح عدم لحوق التقييد الشرعي بما هو واجب بالقياس إليه ، وعدم جريان العادة بإيصال المصالح إلى الغير بواسطة بذل الأموال.
نعم قد يتّفق ذلك في بعض الأحيان ومجرّد ذلك لا يوجب حصول العادة ، وعدم اشتماله على ما يقتضي تقدّمه بالذات على العمل في نظر العقل ، بل غاية ما في الباب أنّه يتقدّم عليه بالذات حصول ما يتأدّى به ، فلذا يقال : انّه حصل فتأدّى به العمل ، وهو قد يتّفق في بعض الأحيان أنّه يقارنه البذل من باب المقارنات الاتّفاقيّة. ولكنّ الانصاف أنّه لا مجال إلى إنكار المقدميّة من جهة العقل هنا ، إذ لا يراد بالمقدّمة ما يكون بلا واسطة فحصول ما يتأدّى به العمل مقدّمة بلا واسطة ، وله أيضا مقدّمات منها البذل ، فكونه من إحدى مقدّمات المقدّمة كاف في ترتّب حكم المقدّمة عليه لو كان في حدّ ذاته مقدّمة للوجود الصرف.
وأمّا الثاني فبأن يقال : إنّ مقدّمة الواجب ـ على ما قرّر في محلّه ـ إنّما يجب تحصيلها إذا كان ذلك الواجب مطلقا ، والواجب قد يكون مشروطا إذا كان مقدّمة وجوده غير مقدور لاعتبار اشتراط وجوبه حينئذ بحصول تلك المقدّمة ، ولا يعقل في مثله إطلاق الوجوب لأدائه إلى التكليف بغير المقدور ، ومحلّ البحث من البذل الّذي ينظر في وجوبه كفاية على المسلمين من جملة المقدّمات الغير المقدورة ، لأنّه ليس عبارة عن مجرّد الإعطاء باليد وما يقوم مقامها ، بل هو في الحقيقة أمر معنوي هو من صفات النفس ويعبّر عنها في الفارسيّة بـ « گذشت كردن » وهذه الصفة كما ترى من الصفات الاضطراريّة الخارجة عن اختيار المكلّف ، المنوطة في حدوثها للنفس بقيام دواع أحيانيّة غير اختيارية راجعة إلى إحراز ما يصلحه في معاشه ومعاده ، أو دفع ما يفسده فيهما من المضارّ ومنافيات الرأي ، وظاهر أنّ بذل المال في المقام ممّا لا داعي إليه يعتدّ به في نظر العرف ليكون هو من جهة تحقّقه دائم الحدوث للنفوس ، ولا سيّما بملاحظة ما في أكثرها من الانقباض في فكّ المال عن نفسه مجّانا.
وهذا المعنى هو الّذي اعتبره الشارع في صحّة المعاملات من العقود والإيقاعات ونبّه عليه بقوله : « لا يحلّ مال امرء إلاّ بطيب نفسه » و ( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ )(١) ونحو ذلك ممّا يشتمل على اعتبار الرضاء النفساني ، وكون الرضاء من الامور الغير الاختياريّة المنوطة بدواع غير اختياريّة ممّا لا كلام فيه ، وإذا كان البذل في حدّ ذاته وصفا غير اختياري ولا داعي إليه في خصوص المقام يكون دائم التحقّق عند
__________________
(١) النساء : ٢٩.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
