الدليل التاسع مبني على مقدمة دقيقة شريفة تفطنت لها بتوفيق الله تعالى ، وهي :
أن العلوم النظرية قسمان :
قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الإحساس ، ومن هذا القسم علم الهندسة ، والحساب ، وأكثر أبواب المنطق ، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار ، والسبب في ذلك أن الخطأ في الفكر إما من جهة الصورة أو من جهة المادة (١) ، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء ، لأن معرفة الصورة من الأمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة ، والخطأ من جهة المادة لا يتصور في هذه العلوم (٢) ، لقرب المواد فيها إلى الإحساس.
وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الإحساس ، ومن هذا القسم الحكمة الإلهية ، والطبيعية ، وعلم الكلام ، وعلم أصول الفقه ، والمسائل النظرية الفقهية ، وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ، ومن ثم وقع [أو وقعت] الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية والطبيعية ، وبين علماء الإسلام في أصول الفقه ومسائل الفقه وعلم الكلام ، وغير ذلك.
والسبب في ذلك : أن القواعد المنطقية إنما هي عاصمة من الخطأ من
__________________
(١) مادة الدليل هي المقدمات المستدل بها ، وصورته هي كيفية الاستدلال بها واستحصال النتائج منها.
(٢) وهي علم الهندسة والحساب وغيرها مما سبق في كلامه.
![التنقيح [ ج ١ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4665_altanqih-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)