بل من الأحكام التبعيّة الانتزاعيّة ، فإنّ المكلّف إذا أتى بالمأمور به على وجهه فهو لا محالة مشتمل على الامور المعتبرة في المأمور به الكلّي من الأجزاء والشرائط وهو معه لا يخاطب بفعله ثانيا في الوقت ولا في خارجه ، والعقل ينتزع منه باعتبار اشتماله على الامور المعتبرة في المأمور به مفهوما يعبّر عنه بموافقة الأمر ، وباعتبار أنّ المكلّف لا يخاطب معه بالفعل ثانيا ينتزع عنها مفهوما آخر يعبّر عنه بإسقاطه القضاء ، وهذان الأمران الانتزاعيّان لا تنافي بينهما لينازع في تعيينه بل هما مجتمعان ، والانتزاع العقلي حاصل فيهما معا ومعه لا معنى للنزاع في تعيين الحكم العقلي.
نعم يمكن تصوّر معنويّة النزاع على نهج آخر وهو أن يقال : برجوع نزاع الفريقين إلى تعيين ما يتحقّق به الصحّة بمعناها الأصلي اللغوي أو العرفي ، فالمتكلّم يراها متحقّقة بموافقة الأمر فما وافق الأمر عنده ما سلم من العيب ، والفقيه يراها غير متحقّقة بمجرّد ذلك بل لا بدّ في تحقّقها من إسقاط القضاء أيضا فالسالم من العيب عنده ما أسقط القضاء لا مجرّد ما وافق الأمر كيفما اتّفق.
ويؤيّده ما قيل : من أنّ الصحّة على رأي الفقيه أخصّ منها على رأي المتكلّم ؛ ومرجعه إلى ما في كلام غير واحد من تفريع الصلاة باستصحاب الطهارة على المذهبين ، من حيث إنّها صحيحة على تفسير المتكلّم لموافقتها الأمر دونه على تفسير الفقيه لعدم سقوط القضاء بها.
وما ذكر أيضا من ظهور الثمرة بينهما في النذر كما لو نذر أن يعطي من يصلّي صلاة صحيحة درهما ، فأعطاه لمن يصلّي بظنّ الطهارة فظهر له كونه فاقدا لها ، فيبرأ نذره على الأوّل لأنّه موافق للأمر دون الثاني لأنّه لا يسقط القضاء ، لوضوح أنّ أمثال هذه الامور لا تتفرّع على الامور الاصطلاحيّة بل على المعاني الواقعيّة لغويّة أو عرفيّة أو شرعيّة ، فلو لا النظر في الكشف عمّا يتحقّق به المعنى اللغوي لما كان لهذا التفريع ولا ترتيب الثمرة المذكورة وجه.
ويؤيّده أيضا أنّ المتكلّم نظره في نظائر المقام إنّما هو فيما يترتّب عليه الثواب والعقاب ولو كان أمرا ظاهريّا ، والفقيه نظره فيما يترتّب عليه اللوازم الشرعيّة والأحكام الفرعيّة تكليفيّة ووضعيّة ، فكلّ منهما جعل العبرة بما ناسب منظوره ، فغرض المتكلّم أنّ ما سلم من العيب الّذي يترتّب عليه الثواب هو ما وافق الأمر ولو ظاهرا ، وغرض الفقيه أنّ ما سلم من العيب الّذي يترتّب عليه الأحكام الفرعيّة ـ ولو وضعيّة ـ هو ما أسقط القضاء.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
