قلت : مناط المفسدة ليس هو المعاقبة واستحقاق العقوبة ، فإنّها عبارة عن المضرّة وكثيرا مّا تكون دنيويّة كمفسدة السمّ بل هو الغالب في المناهي ، وقاعدة اللطف يقتضي دفعها مطلقا ولا يتأتّى إلاّ بترجيح المنع على الإذن.
ولا يتوجّه إلى التمسّك بهذه القاعدة هنا ما أوردناه على الفاضل التوني في تمسّكه بها دليلا على امتناع اجتماع الأمر والنهي ، فإنّ محصّل ذلك الإيراد منع الملازمة بين اجتماع الأمر والنهي وكونه تعالى مقرّبا للعبد إلى المعصية ، لأنّه تعالى لم يأمر بماهيّة المأمور به إلاّ لغرض الطاعة واختيار المكلّف امتثاله في ضمن الفرد المحرّم ليس من قبله تعالى فلم يكن مقرّبا له إلى المعصية ، على أنّ تحقّق النهي الفعلي المجامع له كاف في اقتضاء الانزجار عنها من غير حاجة معه إلى اعتبار شيء آخر من عدم أمر أو نحو ذلك ، فاللطف بالمعنى المعروف لا ينهض دليلا على امتناع الاجتماع ، بخلاف ما لو ثبت الامتناع بدليل آخر ووقع الكلام في الترجيح ، ولا ريب أنّ اللطف بالمعنى الآخر بملاحظة المفسدة الواقعيّة وإن لم يتعقّبها معصية فعلا يصلح وجها لترجيح جانب المنع على الإذن بتقريب ما تقدّم.
نعم لو كان مقصود المقام الاحتراز عن المعصية لما تمّ اللطف إذ لا معصية مع ترجيح الأمر ، فلا يرد عليه : أنّ الوقوع في المفسدة ليس مترتّبا على الأمر لأنّه يترتّب على ترجيح الأمر ، ولا أنّ النهي عن أصل الفعل يكفي في ذلك ، لأنّه على تقدير عدم تعلّقه بهذا الفرد فلا صارف له عن هذا الفرد ولا موجب للتجنّب عن فعله ، فإنّ الداعي إليه غالبا في غالب المكلّفين إنّما هو خوف العقاب بطروّ المعصية لا مجرّد خوف الوقوع في المفسدة الغير المتعقّبة للمعصية واستحقاق العقوبة كما لا يخفى ، فبين المقامين فرق واضح كما بين السماء والأرض.
لا يقال : إنّ قصارى ما يقتضيه دليل اللطف بالتقرير المذكور إنّما هو رجحان العمل بمقتضاه وليس كلّ راجح لازما.
وبعبارة اخرى : العمل بمقتضى اللطف لو ثبت تفضّل منه تعالى بالنسبة إلى العباد والتفضّل ليس شيئا يجب عليه مراعاته ، والمطلوب لا يثبت إلاّ على تقدير الوجوب.
لأنّ وجوب العمل بمقتضاه ممّا يقضي به القوّة العاقلة ويستقلّ بإدراكه ، ويكفي في ثبوته كون تركه تعالى إيصال العباد إلى مصالح امورهم وتبعيدهم عن مفاسدها مع علمه بهما وقدرته على الإيصال والتبعيد بخلا ، وهو منقصة وصفة ذمّ يجب تنزّهه تعالى عنهما
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
