معلّقا على فقدها وحصول اليأس عنها ، وفهم الحكومة في دليل المنع إنّما هو لمرجّح الدلالة وهو الأظهريّة البالغة رتبة النصوصيّة ، والى ذلك يرجع ما قد يستدلّ على المختار من أنّ النهي أقوى دلالة من الأمر فيجب تقديمه بإرجاع التخصيص إلى الأمر ، فإنّ أقوائيّة دلالته باعتبار دلالته الالتزاميّة على التكرار ، لأنّ الامتناع عن الماهيّة لا يتأتّى إلاّ بالامتناع عن جميع أفرادها ، فيكون النهي باعتبار هذه الدلالة الالتزاميّة في ظهوره كالنصّ في العموم بخلاف الأمر.
وممّا يدلّ على القول المختار : قاعدة اللطف القاضية بجعل أصل التكاليف لكن لا بالمعنى المعروف ـ أعني ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية (١) ـ بل بمعنى آخر غير معروف وهو إيصال العباد إلى مصالح امورهم وتبعيدهم عن مفاسد امورهم ، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بجعل التكاليف على طبق المصالح والمفاسد الباعثة على التزامهم بارتكاب ذي المصلحة واجتناب ذي المفسدة من الامور ، فيجب بحكم العقل المستقلّ عملا بمقتضى الرأفة الإلهيّة والشفقة الرحمانيّة وأداء لحقّ لطفه وحكمته ، وهذه القاعدة كما أنّها تقتضي جعل أصل التكاليف كذلك تقتضي ترجيح المنع على الإذن في مورد التعارض صونا للمكلّف عن مفسدة الفعل.
لا يقال : ترجيح المنع وإن كان يوجب ذلك إلاّ أنّه يوجب فوات مصلحة الفعل عنه أيضا ، لأنّه مع اشتماله على المفسدة مشتمل على المفسدة أيضا ، وتفويت المصلحة كالإيقاع في المفسدة ينافي اللطف.
لأنّ ذلك يندفع بفرض وجود المندوحة في موضوع المسألة.
فغاية ما يلزم من ترجيح المنع عدم إدراك المصلحة في ضمن هذا الفرض مع إمكان تداركها في ضمن فرد آخر ، بخلاف الصون عن المفسدة فإنّه لا يمكن تداركه على تقدير ترجيح الإذن ، فيكون المنافي للّطف هو ترجيح الإذن لا العكس.
فإن قلت : على تقدير ترجيح الإذن لا يبقى منع فلا يكون المكلّف آثما ولا معاقبا ولا مستحقّا للعقاب فكيف ينافي اللطف؟
__________________
(١) وقد وجّه بطلان المعنى المعروف من قاعدة اللطف في التحرير الأوّل من التعليقة بقوله : « فإنّه لو كان بظاهره أدّى إلى الدور ، لأنّ الطاعة والمعصية في مواردهما فرعان على التكليف فالقرب إلى الطاعة والبعد عن المعصية موقوفان على التكليف ومعه كيف يعقل توقّف التكليف عليهما ».
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
