كما هو منزّه عن سائر النقائص.
ألا ترى أنّ سلطانا رؤوفا في رعيّته مظهرا للّطف عليهم مطّلعا على مصالح امورهم ومفاسدها وهم غير مطّلعين عليهما لو لم يرشدهم إليهما ولم يعلمهم بهما بنصب طرق وأمارات توصلهم إليهما لكان مذموما عند العقلاء موصوفا بالبخل وسخافة الفطنة ودناءة الفطرة ، فيكون ترك العمل بمقتضى اللطف منافيا للحكمة فيكون قبيحا.
واستدلّ أيضا على المختار : بأنّ دفع المفسدة أولى وأهمّ من جلب المنفعة ، وقضيّة ذلك وجوب ترجيح جانب المنع على جانب [ الإذن ].
وتتميمه بحيث ينطبق على ما نحن فيه ويسلّم فيه الأولويّة يتوقّف على توجيه بأن يقال : إنّ المراد به أنّه لو دار الأمر بين دفع مفسدة لا يفوت معه المنفعة وجلب منفعة يحصل معه الوقوع في المفسدة كان الأوّل أولى بحكم القوّة العاقلة وفي بناء العقلاء ، بل العكس قبيح بحكم العقل المستقلّ.
ألا ترى أنّه لو قيل لأحد : « إن سافرت إلى الروم تصب مائة وتقطع يدك ، وإن سافرت إلى الهند لا تقطع يدك وتصب مائة » (١) فإنّه لا يزال يختار الثاني بحيث لو عكس ذمّه العقلاء قاطبة ورموه بالسفاهة واختلال الفطنة ، وأمّا على ظاهر عبارة الدليل من دوران الأمر بين دفع مفسدة لا منفعة معها وجلب منفعة لا مفسدة معها فلا ينطبق على ما نحن فيه ولا يسلم معه الحكم أيضا ، بل الأولويّة في جانب العكس.
وهاهنا وجه ثالث برزخ بين الوجهين وهو دوران الأمر بين دفع مفسدة لا منفعة معها وجلب منفعة يحصل معه الوقوع في المفسدة ، وحكم الأولويّة حينئذ وإن كان مسلّما إلاّ أنّه لا ينطبق على ما نحن فيه أيضا ، ولعلّه لتوهّم هذا الوجه اعترض عليه تارة : بمنع ثبوت ذلك على الإطلاق إذ في ترك الواجب أيضا مفسدة إذا تعيّن.
واخرى : بمنع إطلاق الأهمّيّة في بناء العقلاء ، فإنّ بناءهم قد يكون على دفع المفسدة إذا كانت المفسدة عظيمة في مقابل النفع اليسير ، وقد يكون على جلب المنفعة كما لو كانت المنفعة عظيمة في مقابلة المفسدة اليسيرة ، وقد يكون على الوقف أو التخيير كما لو تساوت الجهتان.
__________________
(١) وقد ذكر المثال في حاشية القوانين هكذا : « إن سافرت إلى الهند تصب مائة وتقطع يدك وإن لم تسافر لا تقطع يدك وتصب مائة ».
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
