ولعلّ بناء المجوّزين بالنظر إلى العقل على عدم وقوعه شرعا كما في كلام ابن عمّنا السيّد أعلى الله مقامه.
تندفع : بأنّ ذلك وإن كان يساعد عليه الاعتبار في بادئ النظر ، التفاتا إلى أنّ الصحّة من لوازم الاجتماع الفعلي ومجرّد الجواز بمعنى الإمكان لا يلازم الفعليّة ، غير أنّ المسألة مفروضة فيما ثبت له المقتضي للصحّة ولم يكن معه جهة لخلافها إلاّ مانعيّة [ النهي ] ومرجع القول بجواز اجتماع الأمر والنهي إلى نفي المانعيّة فوجب الصحّة لوجود المقتضي لها وفقد المانع.
وأمّا على القول المختار فاختلفت كلمتهم ، فمنهم من قال بالبطلان ترجيحا للنهي على الأمر بإخراج مورد الاجتماع عن تحته ، ولعلّه المشهور وإن اختلف معه في السقوط كما عن القاضي وفخر الدين من العامّة ، وعدمه وعليه الأكثر ، ومنهم من حكم أيضا بالبطلان ولكن عملا مع ظهور التوقّف بالنسبة إلى الترجيح كبعض الأعاظم (١).
ومن الأعلام (٢) من يظهر منه التوقّف عملا وترجيحا.
وأمّا القول بالصحّة ترجيحا للأمر فلم نقف على قائل به ولا على نقله.
والحقّ هو القول الأوّل لفهم العرف حكومة دليل الحظر في كافّة الموارد على دليل الإباحة ، فإنّا نرى أهل العرف أنّهم لا يزالون يحكّمون أدلّة المنع على أدلّة الإذن وإن كان بينهما عموم من وجه ، فيخرجون مورد الاجتماع عن عموم الإذن من دون نكير ولا توقّف على وصول البيان الخارجي.
ألا ترى أنّه لو قال السيّد لعبيده : « كلوا ما في البيت » وفيها مال اليتيم وغيره ، ثمّ قال :« لا تأكلوا مال اليتيم » فإنّهم لا يزالون يتحرّزون عن مال اليتيم مطلقا ، وكذا لو قال لعبده :« خط هذا الثوب » ثمّ قال : « لا تستعمل الخيط الفلاني » فإنّه لا يتأمّل في البناء على الاجتناب عن استعمال هذا الخيط ولو في خياطة هذا الثوب ، وكذا لو قال : « لا تستعمل الماء الفلاني أو القدح الفلاني » ثمّ قال : « إسقني » فإنّه لا يزال يسقيه بغير هذا الماء وبغير هذا القدح ، ولا يستعمل هذا الماء ولا هذا القدح لا في السقي ولا في غيره ، وكذا لو قال له : « لا تكتب » ثمّ قال له : « اتّجر » فإنّه يرى الاتّجار بالكتابة محظورا في حقّه ، إلى غير ذلك من الأمثلة العرفيّة البالغة فوق حدّ الإحصاء ، فعامّ الحظر عند أهل العرف كالخاصّ ينزّل منزلته ويعامل معه معاملة النصّ.
__________________
(١) إشارات الاصول : ١١٢.
(٢) القوانين ١ : ١٥٣.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
