وفيه أوّلا (١) : منع كون التعييني والتخييري فردين لمشترك بينهما ليصحّ فرض الصيغة بالنسبة إليه مشتركا معنويّا ، بل هما من لوازم إطلاق المأمور به وتقييده حسبما قرّرناه.
وثانيا : أنّ هذه القاعدة على إطلاقها غير مرضيّة ، وكون المقام من مجاريها على فرض تسليم كونهما فردين لجامع بينهما غير مسلّم ، كيف واستعمال الصيغة في ذلك القدر الجامع محلّ منع فضلا عن غلبة ذلك الاستعمال ، مع أنّ العطف بكلمة « أو » قرينة قامت على إرادة التخييري لا محالة حتّى على القول بالمجازيّة فيه ، فالأمر بالنسبة إليها مردّد بين كونها للتجوّز أو للإفهام ولا مزيّة لأحدهما على الآخر إلاّ أن يدّعى غلبة الثاني على الأوّل بحسب النوع والوقوع الخارجي وهو في حيّز المنع ، كما يشهد به ملاحظة القول بأنّ أغلب اللغات المجازات ، بناء على أنّ المراد بها الاستعمالات المجازيّة لا مفاهيمها الكليّة كما يقتضيه ما بطل من دليل هذا القول.
فتحصّل من جميع ما تقرّر : أنّ مقالتنا في مواضع التخيير ترجع إلى التزام التقييد في مدلول المادّة ، كما أنّ مقالة من يجعله مجازا ترجع إلى التزام التجوّز في مدلول الصيغة ، ومقالة من يجعله فردا للقدر المشترك بينه وبين التعييني ترجع إلى التقييد في مدلولها ، فلا مخالفة بين المقالات الثلاث في الالتزام بمخالفة الظاهر لكون الجميع في الافتقار إلى خارج يوجب الانصراف عن الظاهر على نهج سواء ، فلذا حصل الاتّفاق على كون التخييري خلاف الظاهر.
ويظهر فائدة الفرق بين الوجوه الثلاث فيما لو ورد أمر عامّ متناول بظاهره لجميع المكلّفين ثمّ قام دليل آخر منفصل قضى بنفي كونه عينيّا بالنسبة إلى صنف منهم ، كما في الجمعة الّتي دلّ قوله تعالى : ( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ )(٢) على وجوبها على عامّة المكلّفين
__________________
(١) والجواب التحقيقي عن ذلك أوّلا منع الكبرى ، وثانيا منع الصغرى.
أمّا الأوّل : فلما تقدّم في المبادئ اللغويّة من أنّ الاشتراك المعنوي حيثما قابله المجاز لم يثبت دليل من العرف على اولويّته وكونه الأصل في مقابلة الحقيقة والمجاز.
وأمّا الثاني : فلمنع دوران الأمر في المقام بين الوجوه الثلاث ، لأنّ التعيين والتخيير على ما تقدّم ويشهد به الوجدان ليسا جهتين راجعتين إلى الصيغة الموضوعة للطلب بكون الأوّل مأخوذا في وضعها أو هو مع الثاني مأخوذا في وضعيها أو كونهما فردين لمشترك بينهما هو المأخوذ في وضعها بل هما راجعين إلى المأمور به الّذي هو مدلول المادّة ينتزعان عنه باعتبار ما يطرءه من الإطلاق والتقييد ، وبالتأمّل في ذلك يظهر الجواب التحقيقي عن الوجهين الآخرين. ( منه عفي عنه ).
(٢) الجمعة : ٩.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
