من الحجّة المقتضية للمجاز في الكراهة.
وقد يستدلّ على ذلك بآيات كقوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ). ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ )(١) و ( أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ )(٢)( وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(٣)( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ )(٤) ونحو ذلك.
وفيه ما لا يخفى من عدم منافاة تلك الإطلاقات للاشتراك المعنوي عند القائل به بعد قيام القرينة المردّدة بين كونها مؤكّدة أو مفهمة ، مع أنّ الأصل هو الثاني كما لا يخفى.
وأمّا ما يقال : من أنّه حقيقة في التحريم تمسّكا بالتبادر ، وصحّة السلب عن العاري عنه ، وتحقّق المخالفة بالفعل ، وترتّب الذمّ بها عرفا إذا صدر ممّن يجب طاعته ، فلعلّ المراد به ما أخذ معه العلوّ وإن قصر إطلاق العبارة عن إفادته ، وإلاّ فلا يستريب أحد في أنّ التحريم بمعنى طلب الترك مع عدم الرضا بالفعل ممّا يتأتّى عن غير العالي أيضا.
وقد عرفت أنّه ما لا يصدق عليه النهي عرفا بعنوان الحقيقة ، كما لا يصدق الأمر على طلب غيره للفعل بعنوان الحقيقة ولو حتميّا.
ويندرج فيما ذكرناه من الحدّ ما لو قال العالي لمن دونه : « اترك الزنا » باعتبار معناه ، لأنّه طلب للترك من العالي على جهة الإلزام وإن صدق على لفظه الأمر بالصيغة ، إذ لا مدخليّة للفظ دون آخر في انعقاد هذا المعنى ، فإنّه مطلق والمفروض من أفراده ، واختصاص اللفظ بعنوان مستقلّ في الاصطلاح لا يوجب خروج المعنى عن عنوانه العامّ كما لا يخفى ؛ وأمّا مثل « كفّ أو اكفف عن الزنا » فهو أيضا نهي بهذا المعنى باعتبار أحد فرديه ، نظرا إلى أنّ الترك الّذي يتعلّق به الطلب في مفهوم النهي أعمّ ممّا حصل منه بعنوان الكفّ المأخوذ فيه زجر النفس عن فعل المنهيّ عنه أو بدونه على القول بعدم كون المطلوب بالنهي هو الكفّ.
نعم هو على القول الآخر نفس النهي ، بناء على ما قرّرناه من أنّه أمر معنوي نفسيّ لا تفاوت في انعقاده بين الألفاظ الكاشفة عنه ، فما في كلام بعض الأعلام من أنّه يدخل في الأمر من حيث ملاحظة الكفّ بالذات ، وأنّه فعل من الأفعال ، ونهي من حيث إنّه آلة لملاحظة فعل آخر وهو الزنا وحال من أحواله ، ليس بسديد ، كيف وأنّ الفعل المأخوذ في ماهيّة الأمر عبارة عمّا يصدر من الجوارح والكفّ وإن كان أمرا وجوديّا يعبّر عنه بإمساك الجوارح عن الفعل غير أنّه ليس فعلا بهذا المعنى ، بل هو أمر وجوديّ منشؤه شيء قائم
__________________
(١) المجادلة : ٨.
(٢) النساء : ١٦١.
(٣) الحشر : ٧. (٤) الأعراف : ١٦٦.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
